إذن: فالضرب هو الأثر الذي لا يتخلف مدلوله أبداً ، ومن ذلك قوله تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله ...} [المزمل: 20] أي: يُؤثرون فيها تأثيراً واضحاً كالحرث مثلاً ، وهو أشبه ما يكون بالضرب .
والضرب لا يكون ضرباً يؤدي مهمة وله أثر إلا إذا كان بحيث يُؤلم المضروب ، ولا يُوجع الضارب ، وإلا فقد تضرب شيئاً بقوة فتؤلمك يدك ، فكأنك ضربتَ نفسك . وهذا المعنى فَطِن إليه الشاعر ، فقال للذين لا يؤمنون بقدر الله:
أيَا هَازئاً من صُنُوف القَدَرِ ... بنفسِكَ تعنف لاَ بالقَدرْ
وَيَا ضَارِباً صَخْرةً بِالعصَا ... ضربتَ العَصَا أَمْ ضربْتَ الحجَرْ
فالحق سبحانه يضرب المثل ليُشعركم به ، وتُحسون به حِسَّ الألم من الضرب ، فإذا لم يحسّ الإنسان بضرب المثل فهو كالذي لا يحسُّ بالضرب الحقيقي المادي ، وهذا والعياذ بالله عديم الإحساس أو مشلول الحسِّ .
فالمعنى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ ...} [الروم: 58] يعني: أتيناهم بأمثال ودلائل لا يمكن لأحد إلا أنْ يستقبلها كما يستقبل الضرب ؛ لأن الضرب آخر مرحلة من مراحل الإدراك .
وسبق أنْ قلنا: إن الحق سبحانه ضرب المثل لنفسه سبحانه في قوله: {الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح ...} [النور: 35] .
والمثل هنا ليس لنوره تعالى كما يظن البعض ، إنما مَثَلٌ لتنويره للكون الواسع ، وهو سبحانه يُنوِّرك حِسِّياً بالشمس وبالقمر وبالنجوم ، ويُنوِّرك معنوياً بالمنهج وبالقيم .
ففائدة النور الحسي أن يزيل الظلمة ، وأنْ تسير على هُدى وعلى بصيرة فتسلم خطاك واتجاهك من أنْ تحطم ما هو أقلّ منك أو يحطمك ما هو أقوى منك ، والمحصلة ألاَّ تضر الأضعف منك ، وألاَّ يضرك الأقوى منك .