أما المثل فقول من حكيم شاع على الألسنة ، وتناقله الناس كلما جاءت مناسبته ، وسبق أنْ مثَّلنا لذلك بالملك الذي أرسل امرأة تخطب له أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني ، وكان اسمها (عصام) ، فلما عادت من المهمة بادرها بقوله: ما وراءكِ يا عصام؟ فصارت مثلاً يُقال في مثل هذه المناسبة مع أنه قيل في حادثة مخصوصة .
والمثل يقال كما هو ، لا نغير فيه شيئاً ، فنقول: ما وراءك يا عصام للمذكر وللمؤنث ، وللمفرد وللمثنى وللجمع .
ومن ذلك نُشبِّه الكريم بحاتم ، والشجاع بعنترة . . الخ لأن حاتماً الطائي صار مضربَ المثل في الكرم ، وعنترة في الشجاعة . وفي المثال نقول لمن يواجه بمَنْ هو أقوى منه: إنْ كنت ريحاً فقد لاقيتَ إعصاراً ، ونقول لمن لم يُعِدّ للأمر عُدَّته: قبل الرماء تُملأ الكنائن .
إذن: المثل قول شبه مضربه الآن بمورده ، سابقاً لأن المورد كان قوياً وموجزاً لذلك حُفِظ وتناقلته الألسنة .
والقرآن يسير على أسلوب العرب وطريقتهم في التعبير وتوضيح المعنى بالأمثال حتى يضرب المثل بالبعوضة ، والبعض يأنف أنْ يضرب القرآن بجلاله وعظمته مثلاً بالبعوضة ، وهو لا يعلم أن الله يقول: {إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ...} [البقرة: 26] .
وليس معنى: {فَمَا فَوْقَهَا ...} [البقرة: 26] أي: في الكِبَر كما يظن البعض ، فيقولون: لماذا يقول فما فوقها وهو من باب أَوْلى ، لكن المراد ما فوقها في الصِّغَر وفيما تستنكرونه من الضآلة ، كالكائنات الدقيقة والفيروسات ... الخ .
لكن ، لماذا يضرب الله الأمثال للناس؟ قالوا: لأن الإنسان له حواسّ متعددة ، فهو يرى ويسمع ويشم ويتذوق ويلمس . . الخ ، ولو تأملتَ كل هذه الحواس لوجدتَ أن ألصق شيء بالحس أنْ يضرب ؛ لذلك حين تريد أنْ تُوقِظ شخصاً من النوم فقد لا يسمع نداءك فتذهب إليه وتهزُّه كأنك تضربه فيقوم .