ويدل على أَنَّ كلّ واحد من قوله: (ضَعْف) إِشارة إِلى حالة غير الحالة الأَولى ذكرُه منكّرًا ، والمنكّر متى أُعيد ذِكره وأُريد به ما تقدّم عُرّف ، كقولك: رأَيت رجلاً فقال لي الرّجل ، ومتى ذُكِر ثانيا منكَّرًا أُريد به غير الأَوّل ، ولذلك قال بن عباس رضي الله عنهما فِي قوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} : لن يغلب عسرٌ يُسْرَيْن.
وقوله تعالى: {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً} فضعفُه كثرة حاجاته التي يستغنى عنها الملأُ الأَعلى.
وقولُه: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} فضعف كيده إِنما هو مع (من صار) من عباد الله المذكورين فِي قوله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} .
والضِّعْفُ من الأَسماء المتضايفة التي يقتضى وجودُ أَحدهما وجودَ الآخر ؛ كالنصف والزوج ، وهو تركُّب قَدْرين متساويين ، ويختصّ بالعدد.
فإِذا قيل: أَضعفت الشيء وضعَّته وضاعفته: ضممتُ إِليه مثله فصاعدًا.
وقال بعضهم: ضاعفت أَبلغ مِنْ ضَعّفت ، ولهذا قرأَ أَكثرهم (يُضَاعَفْ) قال تعالى: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} ، ومن قال: ضَعَفته بالتخفيف ضَعْفًا فهو مضعوف قال: الضَّعْف مصدر ، والضِّعْف اسم ، كالثَّنْىِ والثِّنْىِ.
فضِعْف الشيء هو الذي تَثْنِيهِ.
ومتى أَضيف إِلى عدد اقتضى ذلك العددُ مثلَه ، نحو أَن يقال: ضِعفُ العشرة ، وضعف مائة ، فذلك عشرون ومائتان بلا خلاف.
وعلى هذا قال:
*جَزَيْتُكِ ضِعف الودّ لمّا اشتكيته * وما إِنْ جزاكِ الضِّعفَ من أَحد قَبْلى*
وإِذا قيل: أَعْطِهِ ضِعْفَيْ واحد اقتضى ذلك ومثلَيْه ، وذلك ثلاثة ، لأَنَّ معناه الواحد واللذان يزاوجانه ، وذلك ثلاثة.