فإنْ كانت القضية لا تصل إلى مرتبة أنْ نجزم بها ، فتنظر: إنْ تساوي الإثبات فيها مع النفي فهي الشك ، إذن: فالشكُّ قضية غير مجزوم بها يستوي فيها الإثبات والنفي ، فإنْ غلَّبْتَ جانب الإثبات ورجَّحته فهو ظن ، أما إنْ غلَّبت جانب النفي فهو وهم .
فعندنا - إذن - من أنواع القضايا: علم ، وجهل وتقليد ، وظن ، ووَهْم .
فالحق سبحانه يريد الهوى الذي تخدمه حركة حياتنا هوى عن علم وعن قضية مجزوم بها ، مطابقة للواقع ، وعليها دليل ، لكن ما دام هؤلاء قد اتبعوا أهواءهم المتفرقة ، وأخذوها بدون أصولها من العلم ، فسوف أكمل لهم ما أرادوا وأعينهم على ما أحبُّوا {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ الله ...} [الروم: 29] فقد ألغواْ عقولهم وعطَّلوها وعشقوا الكفر بعد ما سُقْنا لهم الأدلة والبراهين .
إذن: لم يَبْقَ إلا أنْ أعينكم على ما تعتقدون ، وأنْ أساعدكم عليه ، فأختم على قلوبكم ، فلا يدخلها إيمان ولا يفارقها كفر ، لأنني رب أعين عبدي على ما يريد . وهكذا يُضل الله هؤلاء ، بمعنى: يعينهم على ما هم عليه من الضلال بعد أنْ عَشِقَوه ، كما قال سبحانه: {خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} [البقرة: 7] .
لذلك نحذر الذين يصابون بمصيبة ، ثم لا يَسْلُون ، ولا ينسون ، ويلازمون الحزن ، نحذرهم ونقول لهم: لا تدعوا باب الحزن مفتوحاً ، وأغلقوه بمسامير الرضا ، وإلا تتابعتْ عليكم الأحزان ؛ لأن الله تعالى رب يُعين عبده على ما يحب ، حتى الساخط على قدره تعالى .