قال المفسّرون: خرج موسى من مصر بلا زاد ولا درهم ولا ظهر ولا حذاء إلى مدين وبينهما مسيرة ثماني ليال نحواً من الكوفة إلى البصرة ، ولم يكن له طعام إلاّ ورق الشجر ، قال ابن جبير: خرج من مصر حافياً ، فما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه .
{وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ} وهو بئر كانت لهم {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ الناس يَسْقُونَ} مواشيهم {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ أمرأتين تَذُودَانِ} تحبسان وتمنعان أغنامهما عن أن تشذ وتذهب ، وقال الحسن: تكفان (أغنامهما) عن أن تختلط بأغنام الناس وترك ذكر الغنم اختصاراً ، قتادة: (تذودان) الناس عن شائهما ، أبو مالك وابن إسحاق: تحبسان غنمهما عن الماء حتى يصدر عنه مواشي الناس ويخلوا لهما البئر ، ثم يسقيان غنمهما لضعفهما ، وهذا القول أولى بالصواب لما بعده ، وهو قوله: {قَالَ} يعني موسى {مَا خَطْبُكُمَا} ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع الناس؟
{قَالَتَا لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ} قرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن وابن عامر وابن جعفر وأيوب بن المتوكل: بفتح الياء وضم الدال ، جعلوا الفعل الرعاء أي حتى يرجعوا عن الماء ، وقرأ الآخرون بضم الياء وكسر الدال أي حتى يصرفوا مواشيهم عن الماء ، والرعاء: جمع راع مثل تاجر وتجار ، ومعنى الآية لا نسقي مواشينا حتى يصدر {الرعآء} لأنّا لا نطيق أن نسقي ، ولا نستطيع أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض.
{وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} لا يقدر أن يسقي مواشيه ، واختلفوا في اسم أبيهما ، فقال مجاهد والضحاك والسدي والحسن: هو شعيب النبي صلى اللّه عليه وعلى جميع الأنبياء واسمه شعيب بن بويب بن مدين بن إبراهيم ، قال وهب وسعيد بن جبير وأبو عبيدة بن عبد الله: هو بثرون ابن أخي شعيب ، وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعدما كفّ بصره ، فدفن بين المقام وزمزم.