قال ابن عباس: فلمّا أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة أي آخرها ، واختصر طريقاً قريباً) وسبقهم فأخبره وأنذره) حتى أخذ طريقاً آخر فذلك قوله: {وَجَآءَ رَجُلٌ} واختلفوا فيه ، فقال أكثر أهل التأويل: هو حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون ، وكان ابن عم فرعون ، فقال شعيب الجبائي: اسمه شمعون ، وقيل: شمعان.
{مِّنْ أَقْصَى المدينة يسعى} قال الكلبي: يسرع في مشيه لينذره ، مقاتل: يمشي على رجليه ، {قَالَ يا موسى إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} أي يهمّون بقتلك ويتشاورون فيك ، وقيل: يأمر بعضهم بعضاً نظيره قوله عز وجل: {وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 6] ، وقال النمر بن تغلب:
أرى الناس قد أحدثوا سمة ... وفي كلّ حادثة يؤتمر
{فاخرج} من هذه المدينة {إِنِّي لَكَ مِنَ الناصحين * فَخَرَجَ} موسى {مِنْهَا} أي من مدينة فرعون {خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ} ينتظر الطلب {قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ} أي نحوها وقصدها ماضياً لها ، خارجاً عن سلطان فرعون ، يقال: داره تلقاء دار فلان إذا كانت محاذيتها ، وأصله من اللقاء ، ولم تصرف مدين لأنّها اسم بلدة معروفة . قال الشاعر:
رهبان مدين لو رأوك تنزّلوا ... والعصم من شغف العقول القادر
وهو مدين بن إبراهيم نُسبتْ البلدة إليه كما نُسبتْ مدائن إلى أخيه مدائن بن إبراهيم {قَالَ عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل} قصد الطريق إلى مدين ، وإنّما قال ذلك لأنّه لم يكن يعرف الطريق إليها ، فلمّا دعا جاءه ملك على فرس بيده عنزة فانطلق به إلى مدين.