وقال أبو إسحاق: أي ما أمركما. ومعناه: ما تخطبان، أي: ما تريدان بذودكما غنمكما عن الماء. فلولا أنهما كانتا تحبسان غنمهما عن الماء في وقت السقي ما سألهما موسى عن شأنهما، ألا ترى أن في جوابهما دليلًا على أنه سألهما عن السبب في ترك السقي مع الناس، وهو قوله: {قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ} وقرئ (يَصْدُرَ) من: صَدَر، وهو ضد: وَرَدَ. قال الله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا} [الزلزلة: 6] ومعنى {يُصْدِرَ الرِّعَاءُ} يرجعوا من سقيهم.
ومن قرأ: {يُصْدِرَ} أراد حين يصدروا مواشيهم من وردهم. قال ابن عباس: فيخلوا لنا الموضع، ولكنه حذف المفعول، ومثله كثير، و {الرِّعَاءُ} : جمع راع، كما يقال: تاجر وتجار، وصاحب وصحاب، ويجمع أيضًا على: الرعاة، كالبكاة، والغزاة، والدعاة.
قال مقاتل: {قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ} بالغنم راجعة من الماء إلى الرعي فنسقي فضلهم.
وقال ابن إسحاق: {قَالَتَا} نحن أمرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} لا يقدر على أن يغني ذلك من نفسه، وأن يسقي ماشيته، فنحن ننتظر الناس حتى إذا فرغوا سقينا ثم انصرفنا. وهذا معنى قوله: {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} قال مقاتل: لا يستطيع أن يسقي الغنم من الكبر.
وقال أبو إسحاق: الفائدة في قولهما: {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}
أي: لا يمكنه أن يَرد ويسقي، فلذلك احتجنا ونحن نساء أن نستقي.
وقال الكلبي: قالتا: {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} وليس له عون يعينه غيرنا. فأتى موسى أهل الماء فسألهم دلوًا من ماء، فقالوا له: إن شئت ائت الدلو فاستق بها؛ قال: نعم، وكان يجتمع على الدلو أربعون رجلاً حتى يخرجوه من البئر، فأخذ موسى الدلو فاستقى به وحده، وصب في الحوض، ودعا بالبركة، ثم قرب غنمهما فشربت حتى رويت.