وإِذا عرفت معنى الفقر عرفت عين الغنى بالله تعالى فلا معنى لسؤال من سأَل: أَيّ الحالين أَكمل؟ الافتقار إِلى الله أَم الاستغناء به؟ هذه مسأَلة غير صحيحة ، فإِنَّ الاستغناء به هو عين الافتقار إِليه.
وأَمَّا مسأَلة الفقير الصَّابر ، والغنيّ الشاكر ، وترجيحُ أَحدهما ، فعند المحقِّقين أَن التفضيل لا يرجع إِلى ذات الفقْر والغِنَى ، وإِنما يرجع إِلى الأَعمال والأَحوال والحقائِق.
فالمسْأَلة فاسدة فِي نفسها ، وإِنَّ التفضيل عند الله بالتَّقوى وحقائِق الإِيمان ، لا بفقر ولا غِنى ، قال: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ولم يقل: أَفقركم أَو أَغناكم.
ثمّ اعلم أَنَّ الفَقْر والغِنَى ابتلاء لعبده كما قال تعالى: {فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلاَّ} أَى ليس كلّ من أَعطيتهُ ووسَّعت عليه فقد أَكرمته ، ,لا كلُّ من ضيَّقت عليه وقَتَرت عليه الرزق فقد أَهنته والإِكرام أَن يكرم العبد بطاعته ومحبَّته ومعرفته ، والإِهانة أَن يسلبه ذلك.
ولا يقع التفاضل بالغنى والفقر بل بالتقوى.
وقال بعضهم: هذه المسأَلة محال أَيضاً من وجه آخر ، وهو أَنَّ كًّلا من الغنيّ والفقير لا بدّ له من صبر وشكر ، فإِنَّ الإِيمان نصفان: نصفٌ صبر ، ونصفٌ شكر.
بل قد يكون قسط الغنِيّ من الصَّبر أَوفى ، لأَنه يصبر عن قدرة ، فصبره أَتمّ من صبر من يصبر عن عجز ، ويكون شكر الفقير أَتمّ ، لأَن الشكر هو استفراغ الوسع فِي طاعة الله ، والفقير أَعظم فراغا بالشكر من الغنِيّ.
وكلاهما لا يقوم قائمة إِيمانه إِلا على ساق الصَّبر والشكر.