أحدهما: أن اليهود حرفوا منها اسم محمد - عليه السلام - ودلائل نبوته لئلا يكون عليهم حجة من كتابهم، وحرفوا مع ذلك أشياء مما جاء به محمد عن وضعه الذي في التوراة ليصير ذلك شبهة لهم في تكذيبه، ويقولون: ما نصنع به؛ لو وافق ما عندنا أو ذكر فيه، آمنا به.
السبب الثاني:
أن التوراة تقادم عهدها وحرفت في زمن"بختنصر"وتعاورتها التغيرات والتنقلات من العبراني إلى السرياني إلى القبطي إلى العرب لفظا وخطًّا.
وبعيد من مثل هذه التغيرات أن لا تخل بالمعاني. ولذلك صارت التوراة التي بيد النصارى تخالف التي بيد اليهود، والتي بيد اليهود تخالف بعضها بعضا كما أن أناجيل النصارى يخالف بعضها بعضا، كما قد بينته في التعليق عليها، لأن أهل الكتاب معتمدهم على الخط، لا على الحفظ، وعلى الرواية بالمعنى لا باللفظ.
الثاني: أن علماء المسلمين ذكروا قصة موسى، على وفق ما هي في القرآن وكان لهم اجتماع بأهل الكتاب واطلاع على علمهم، وأسلم جماعة من أهل الكتاب ووافقوهم على ذلك كعبد الله بن سلام من اليهود، والعاقب والسيد رئيسي نجران من النصارى والنجاشي صاحب الحبشة في ناس كثير، فدل على أن ما في القرآن موافق لما في الكتب القديمة، ولكن هذا الذي
تدعونه تحريفا حدث.
فإن قيل: إنما كان إسلام بعض أهل الكتاب وعدم إنكارهم ما جاء به القرآن من الوهم مخافة من سيف الإسلام، فإنه كان مشهورا منصورا، لا يقوم له أحد؟
قلنا: هذا مما لا يفيدكم، فإن مصنف هذا الكتاب قد أبرز فيه كل ما عنده من الطعن في دين الإسلام مع المخافة وظهور الإسلام، ولم يمنعه ذلك، فلو أمكن الأوائل من أهل الكتاب قدح لفعلوا، ولو في حقبتهم لاشتهر في ذلك العصر ثم نقل إلينا.
كيف والمسيح - عليه السلام - يقول:"ما من خفي إلا سيظهر، ولا مكتوم إلا سيعلن".
وهو قول معصوم لا ينخرم، وأيضا فإن من الممتنع عادة أن أحدًا لا ينتقل من دين إلى دين إلا بعد انشراحه لما انتقل إليه وانقباضه عما كان عليه، وأن من ينشرح صدره لدين يحتمل الذل والصغار والقتل، ولا ينتقل عنه كاليهود والنصارى في بلاد المسلمين، والمسلمين في بلاد النصارى.
فمن المحال عادة أن جماعات من أحبار اليهود والنصارى ورؤسائهم ورعاعهم يتركون دينهم في عصر النبوة إليه إلا بعد علمهم بصحة ما جاء به.
ولا حجة على من يقدح في الإسلام من أهل الدينين.