وقيل: إن بئرهم كانت واحدة، وأنه رفع عنها الحجر بعد انفصال السقاة، إذا كانت عادة المرأتين شرب الفضلات.
روى عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب أنه قال: لما استقى الرعاة غطوا على البئر صخرة لا يقلعها إلا عشرة رجال، فجاء موسى فاقتلعها واستقى ذَنُوباً واحداً لم تحتج إلى غيره فسقى لهما.
الثانية: إن قيل كيف ساغ لنبي الله الذي هو شعيب صلى الله عليه وسلم أن يرضى لابنيته بسقي الماشية؟ قيل له: ليس ذلك بمحظور والدين لا يأباه؛ وأما المروءة فالناس مختلفون في ذلك، والعادة متباينة فيه، وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم، ومذهب أهل البدو غير مذهب الحضر، خصوصاً إذا كانت الحالة حالة ضرورة.
الثالثة: قوله تعالى: {ثُمَّ تولى إِلَى الظل} إلى ظل سَمُرَة؛ قاله ابن مسعود.
وتعرض لسؤال ما يطعمه بقوله: {إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} وكان لم يذق طعاماً سبعة أيام، وقد لصق بطنه بظهره؛ فعرض بالدعاء ولم يصرح بسؤال؛ هكذا روى جميع المفسرين أنه طلب في هذا الكلام ما يأكله؛ فالخير يكون بمعنى الطعام كما في هذه الآية، ويكون بمعنى المال كما قال: {إِن تَرَكَ خَيْراً} [البقرة: 180] وقوله: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخير لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8] ويكون بمعنى القوّة كما قال: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} [الدخان: 37] ويكون بمعنى العبادة كقوله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخيرات} [الأنبياء: 73] قال ابن عباس: وكان قد بلغ به الجوع، واخضرّ لونه من أكل البقل في بطنه، وإنه لأكرم الخلق على الله.
ويروى أنه لم يصل إلى مدين حتى سقط باطن قدميه.
وفي هذا معتبر وإشعار بهوان الدنيا على الله.
وقال أبو بكر بن طاهر في قوله: {إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} أي إني لما أنزلت من فضلك وغناك فقير إلى أن تغنيني بك عمن سواك.
قلت: ما ذكره أهل التفسير أولى؛ فإن الله تعالى إنما أغناه بواسطة شعيب. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 13 صـ}