وبقوله: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} [النمل: 22] يشير إلى أن الغيبة، وإن كانت موجبة للعذاب الشديد وهو الحرمان عن سعادة الحضور ومنافه، ولكن من أمارات السعادة سرعة الرجوع وتدارك الفائت وبقوله {فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} [النمل: 22] خبر إلى سعة لي وسعة كريم الله ورحمة بأن بختص طائراً بعلم نبي مرسل، وهذى لا يقدح في حال النبي صلى الله عليه وسلم والرسل بأن لا يعلم علماً غير نافع في النبوة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله منه فيقول:"أعوذ بك من علم لا ينفع".
وبقوله: {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل: 22] يشير إلى من شرط الخبر ألا يخبر عن شيء إلا أن يكون مستيقناً فيه لا سيما عند الملوك.
وبقوله: {إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23] إلى قوله: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل: 26] يشير إلى أن سليمان عليه السلام لما ذكر الهدهد حديث بلقيس ومملكتها وما لها من المال والحال والملك والسرير العظيم لم يتغير لذلك ولم يستفزه الطمع لما سمع من مُلكها كعادة الملوك في الطمع في مثل غيرهم فلما قال: {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ} [النمل: 24] فعند ذلك غاظه هذا وجرد الله وأخذته حمية الدين وجعل يبحث عن تحقيق وقال: {سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النمل: 27] وفي هذا دلالة على أن خبر الواجد لا يوجب العلم، فيجب التوثيق فيه على حد التجويز، وفيه دليل على أنه لا يطرح بل يجب أن يتعرف هل هو صدق أو كذب، ولما عرف سليمان هذا العذر عذر الهدهد فترك عقوبته، فكذلك سبيل الوالي يجب أن يمنعه عدله من الحيف على رعيته، ويقبل عذر من وجده في صورة المجرمين إذا صدق في اعتقاده.