ثم أخبر عن تفقد أهل التعبد بقوله تعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ} [النمل: 20] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ} [النمل: 20] يشير إلى أن الواجب على الملوك التيقظ في مملكتهم وحسن قيامهم وتكلفهم بأمور رعاياهم تفقد أصغر رعيتهم، كما يتفقدون عن أكبرها بحيث لم يخف عليهم غيبة الأصاغر والأكابر منهم، كما أن سليمان عليه السلام تفقد حال أًغر طير من الطيور، ولم يخف عليه غيبته ساعة، ثم من غاية شفقة على الرغبة أحال النفس والتقسير إلى نفسه فقال: {مَالِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ} [النمل: 20] وما قال ما للهدهد لم أره ولرعاية مصالح الرعاية وتأديبهم قال: {أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآئِبِينَ} [النمل: 20] يعني: من الذين غابوا عني بلا إذني.
ثم هدده إن لم يكن له عذر لغيبته فقال: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً} [النمل: 21] بالطرد عن الحضرة والإسقاط عن عين الرضا والقبول {أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ} [النمل: 21] في شدة العذاب، {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [النمل: 21] به يشير إلى أن حفظ المملكة يكون بكمال السياسة وكمال العمل، فلا يتجاوز عنه جرم المجرمين ويقبل عنهم العذر الواضح بعد البحث عنه، ويشير إلى أن الطير في زمانه كانت من جملة التكليف ولها وللمسخرين لسليمان عليه السلام من الحيوان والجن والشياطين تكاليف تناسب أحوالهم، ولهم فهم وإدراك كأحوال الإنسان في قبول الأوامر والنواهي معجزة لسليمان.