فجاءه ملك راكباً فرساً ومعه عنزة، فقال لموسى: اتبعني فاتبعه فهداه إلى الطريق، فيقال: إنه أعطاه العَنَزة فكانت عصاه.
ويروى أن عصاه إنما أخذها لرعي الغنم من مدين.
وهو أكثر وأصح.
قال مقاتل والسّدي: إن الله بعث إليه جبريل؛ فالله أعلم.
وبين مدين ومصر ثمانية أيام؛ قاله ابن جبير والناس.
وكان مُلْك مدين لغير فرعون.
فيه أربع وعشرون مسألة:
الأولى: قوله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ} مشى موسى عليه السلام حتى ورد ماء مدين أي بلغها.
ووروده الماء معناه بلغه لا أنه دخل فيه.
ولفظة الورود قد تكون بمعنى الدخول في المورود، وقد تكون بمعنى الاطلاع عليه والبلوغ إليه وإن لم يدخل.
فورود موسى هذا الماء كان بالوصول إليه؛ ومنه قول زهير:
فَلمَّا وَرَدْنَ الماءَ زُرْقاً جِمَامُهُ ...
وَضَعْن عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيمِ
وقد تقدّمت هذه المعاني في قوله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [مريم: 71] .
ومدين لا تنصِرف إذ هي بلدة معروفة.
قال الشاعر:
رُهبانُ مدينَ لو رأوكِ تَنَزَّلُوا ... والعُصْمُ من شَعَفِ الجبالِ الفَادِرِ
وقيل: قبيلة من ولد مدين بن إبراهيم؛ وقد مضى القول فيه في"الأعراف".
والأمة: الجمع الكثير.
و {يَسْقُونَ} معناه ماشيتهم.
و {مِن دُونِهِمُ} معناه ناحية إلى الجهة التي جاء منها، فوصل إلى المرأتين قبل وصوله إلى الأمّة، ووجدهما تذودان ومعناه تمنعان وتحبسان، ومنه قوله عليه السلام:"فلَيُذَادَنَّ رجالٌ عن حوضي"وفي بعض المصاحف: {أمرأتين حابستين تذودان} يقال: ذاد يذود إذا (حبس) .
وذُدت الشيء حبسته؛ قال الشاعر:
أَبِيت على باب القَوَافِي كأنَّمَا ... أذُودُ بها سِرْباً من الوحشِ نُزَّعَا
أي أحبس وأمنع.
وقيل: {تَذُودَانِ} تطردان؛ قال:
لقد سَلبتْ عصاك بنو تميم ... فما تَدْرِي بأيِّ عصاً تَذُودُ
أي تطرد وتكفّ وتمنع.