قلت: أما جعله ذلك من عمل الشيطان، فلكونه كان الأولى له تأخير قتله إلى زمن آخر، فلما عجله ترك الأولى المندوب إليه، فجعله من عمل الشيطان، ولم يكن قصد موسى قتل القبطي، إنما كان يريد دفع أذاه عن الإسرائيلي بدليل أنه لم يضربه بشيء يقتل، وإنما ضربه بجمع يده، بلكمة كانت هي القاضية، فلذلك ندم على فعله، واستغفر ربه؛ لأن في قتل القبطي فتنة، والشيطان تفرحه الفتنة، فلذلك نسبه إلى الشيطان.
وأما تسميته ظلمًا فمن حيث إنه حرم نفسه الثواب بترك المندوب، أو من حيث إنه قال ذلك على سبيل الانقطاع إلى الله، والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه، وإن لم يكن ثمة ذنب، وأما استغفاره من ذلك فمعناه اغفر لي ترك ذلك المندوب انتهى.
17 -ثم ذكر أنه شكر ربه على هذه النعمة التي أنعم بها عليه، فقال: {قَالَ} موسى يا {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} إما قسم محذوف الجواب، و {ما} إما مصدرية أو موصولة؛ أي: أقسم عليك بإنعامك علي بالمغفرة لأتوبن {فَلَنْ أَكُونَ} بعد هذا أبدًا {ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} ؛ أي: معينًا لهم، يقال: ظاهرته؛ أي: قويت ظهوه بكوني معه؛ أي: أقسم يا رب بنعامك علي بالقوة والمعرفة، فلن أكون معينًا لأحد من المشركين، بل أكون معاونًا للمسلمين؛ أي: إني وان أسأت في هذا القتل الذي لم أومر به فلا أترك نصرة المسلمين على المجرمين، ونصرة المؤمن واجبة في جميع الشرائع. قال الكسائي: وفي قراءة عبد الله {فلا تجعلني ظهيرًا للمجرمين} .
وإما استعطاف؛ أي: بحق إحسانك علي اعصمني، فلن أكون معينًا لمن تؤدي معاونته إلى الجرم. والجرم فعل يوجب قطيعة فاعله، وأصله القطع، قال ابن عطاء: العارف بنعم الله من لا يوافق من خالف ولي نعمته، والعارف بالمنعم من لا يخالفه في حال من الأحوال انتهى.