قال تعالى"قالُوا"كفار مكة"إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ"يا محمد"نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا"وجابهه بهذا القول الحارث بن عثمان بن نوفل إذ قال لرسول اللّه: إنا نعلم أن الذي تقوله حق ولكن إن اتبعناك نخاف أن تخرجنا العرب من أرض مكة ، فأنزل اللّه جل إنزاله"أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً"بآمنون به على أموالهم وأنفسهم دون سائر العرب ؟ لأن الجاهلية كانوا لا يغيرون على أهل مكة ولا يقاتلونهم ولا يسلبونهم لحرمة البيت ، حتى انه من المعروف في ذلك الزمن أن الظباء تأمن فيه من الذئاب ، والحمام من الحدأة ، وهذا لا يستغرب ، لأن اللّه تعالى الذي ألهم السمك بالخروج يوم السبت وعدم التعرض له (راجع الآية 163 من سورة الأعراف المارة) ألهم الظباء والحمام ذلك أيضا ، وفضلا عن ذلك انه"يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ ءٍ"من مأكول وملبوس ومشروب وحلي وغيره من جميع بلاد اللّه ، فيوجد فيها من مصنوعات الهند والسند والصين والشام والعراق والعجم والغرب واليمن والترك والسودان والبلاد الأجنبية ، حتى إنك لتجد فيها ما لا يوجد في أعظم البلاد لأن جل البلاد تجلب إليها من أحسن مصنوعاتها في الموسم ، وهذا واقع ولا يزال ، وفاء بعهد اللّه لأهل بيته ، وإجابة لدعوة جدّ رسوله محمد إبراهيم عليهما السلام كما سيأتي في الآية 126 من البقرة في ج 3 ، ويرزقون فيه"رِزْقاً"عظيما مختلف النوع والجنس والصفة والقيمة"مِنْ لَدُنَّا"نحن رب البيت العالم بما يكون لأهله من الكرامة"وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ"57 أن رزقهم من عندنا ، وأنا نسوقه إليهم ، لأنا مكلفون
بكل الخلق وخاصون أهل مكة بما لا نخص به غيرهم ، أفلا يعلمون أن الخوف والأمن من عندنا نخيف من نشاء ونؤمن من نشاء ، كما نفقر من نشاء ونغني من نشاء ، ونعز من نشاء ونذل من نشاء ، ولكن