طائفة النحل، وهو يعلم أنه غير مدركهم، ولما أصبحوا رآهم كاسفة ألوانهم فسألهم
عن ذلك فقالوا: يا رسول الله إنك ذكرت الدجال بالأمس فخفضت فيه ورفعت
حتى ظننا أنه في طائفة النحل فقال:"إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه، وإن يخرج"
من بعدي فالله خليفتي على كل مسلم، أخوف ما أخاف عليكم أئمة مضلين"."
وفي أخرى:"أنا من غير الدجال أخوف عليكم مني من الدجال أئمة"
مضلين"ثم كذلك حتى يأتي أمر الله."
فالدنيا مقسمة قسمين: ذكر وفتنة، ففي قسم الفتنة الدجل وهو أعظمها، وهو
لها كالعمود الذي عنه تتفرع الفتن كلها، وفي قسم الذكر الحق المخلوق به
السماوات والأرض لا فتنة فيه، وهو للذكر كالعمود وعنه يتفرع الذكر كله.
وجاء في بعض النبوات: أن اللَّه - جل ذكره - قال لبعض الأنبياء:"قد أقمتك"
نظارًا فانظر ما ترى"فزوى له الأمر - والله أعلم - فقال: أرى قضيبًا سامرًا، قال له:"
"حسن ما رأيت، لأني سامر على كلمتي لأتمها"يمكن أن الذي أراه هو قسم الفتنة
والدجل؛ ولذلك قال: أرى قضيبًا سامرًا، فسماه قضيبًا، إذ به وبسببه يعاقب من
ذلك.
قوله: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ
إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) .
ويكون المعني بقوله: لأني سامر على كلمي لأتمها؛ أي: كلمته في قسم الذكر، هذا على
المعنى الأول، ثم يكون التداخل بين المعنيين، وإتمام كلمته الحق بالذكر في هذه
الدار موقوف انقضاؤها على آخر مدة عبده ورسوله عيسى ابن مريم - صلوات الله
وسلامه عليه - وأما القسم الآخر فمدة الدجال، ثم لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس.
(فصل)
وأكبر الدجل وأسوأه عائد وجوده في الإسلام؛ إذ الكفار أموات الدين غير
أحياء، وما لجرح بميت إيلام، فالعقوبة عليه في الإسلام لازمة، والعتاب من أجله
كثير، ألا ترى إلى بني إسرائيل لما اتخذوا ما أخرج لهم السامري( [مِنْ] حُلِيِّهِمْ عِجْلًا
جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ) ما أكثر تكرار العتاب عليه، وإن كان قد تاب عليهم من ذلك، لأن