والباطنية يقولون: أنزله على رسوله كالخيال غير موصوف بلسان، ثم إن رسوله أداه بلسانه العربي المبين أي: بيَّنه، لكنه ليس كذا؛ لأنه قال في آية أخرى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) ؛ فيبطل قولهم: إنه أداه بلسانه عربيّا من غير أن أنزله كذلك، ولو كان على ما يقوله الباطنية: إنه لم ينزله بهذا اللسان - أعني: اللسان العربي - وأن الرسول هو الذي صيره بهذا اللسان وأداه به لكان لا يصير جوابًا لقولهم: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) ، ولا حجة عليهم، فإذا ذكر هذا جوابًا لقولهم وحجة عليهم؛ دل أنه إنما أنزل عليه عربيا، وأن تأويل الأول ما ذكرنا على التقديم والتأخير.
وقوله: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ(196)
قال بعض أهل التأويل: وإنه - أي: نعت محمد وصفته - كان في كتب الأولين.
وجائز أن يكون قوله: (وَإِنَّهُ) . أي: هذا القرآن كان ذكره في كتب الأولين أنه ينزل على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لا أن عينه كان فيها.
أو أن كان بعضه في زبر الأولين لا الكل، واللَّه أعلم.
وقوله: (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ(197)
قال بعض أهل التأويل: أوَلم يكن لهم مُحَمَّد آية أن علماء بني إسرائيل كانوا يعلمون أنهم يجدونه مكتوبًا عندهم في الكتب.
لكن تأويله: أو لم يكفهم علم علماء بني إسرائيل آية أنه رسوله. ثم الآية تكون بوجهين:
أحدهما: ما ذكر أن أهل مكة أرسلوا إلى اليهود بالمدينة يسألونهم عن رسول اللَّه، فأخبروهم عنه أنه يخرج في وقت كذا، وأن نعته كذا، وهذا وقت خروجه.