وهذا من آيات الله تعالى في رسوله أن عصم أباه حين كان في ظهره أن يضعه من سفاح حتى وضعه من نكاح ثم زالت العصمة بعد وضعه حتى عرض بالطلب بعد أن كان مطلوبا ورغب فيه بعد أن كان مرغوبا ثم لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت لانتهاء صفوتهما إليه وقصور نسبهما عليه ليكون مختصا بنسب جعله الله تعالى للنبوّة غاية ولتفرده بها آية فيزول عنه أن يشارك فيه ويماثل به فلذلك مات أبواه عنه في صغره فأما أبوه عبد الله فمات عنه بمكة وهو حمل وأما آمنة فماتت عنه بالمدينة وهو ابن ست سنين لأنها رحلت إليها لزيارة أخوالها من بني النجار فماتت عندهم، وإذا خبرت حال نسبه وعرفت طهارة مولده علمت أنه سلالة آباء كرام سادوا ورأسوا لأنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ليس في آبائه خامل مسترذل ولا مغمور مستذل، كلهم سادة قادة، وهم أخص الناس بالمناكح الطاهرة حتى تحرجوا من نكاح المحارم وإن استباحه غيرهم من العرب حتى حكي أن حاجب بن زرارة وهو سيد بني تميم نكح بنته وأولدها، وقد كان سماها دختنوس باسم بنت كسرى، وقال فيها حين نكحها مرتجزا:
يا ليت شعري عنك دختنوس ... إذا أتاها الخبر المرموس
أتسحب الذيلين أم تميس ... لا بل تميس أنها عروس
وهذا في قريش من الفواحش.
وفي التوراة أن لوطا نكح بنتين له فولدتا غلامين ولهما ذرية كبيرة، ولوط هو ابن أخي إبراهيم الخليل، وقد تزوج إبراهيم بنت أخيه سارة بنت هاران بن تارخ، فتنزهت قريش من هذه المناكح حفظا لحرمة الأرحام الدانية أن تنتهك بالمناكح العاهرة فتضعف الحمية وتقل الغيرة.
فإن قيل: يشارك الأنبياء في شرف النسب وطهارة المولد غيرهم فلم يستحق بهما النبوّة؟
قيل: هما من شروط النبوة وإن استحقت غيرهما فلم يمتنع أن يكون لهما في النبوة تأثير معتبر ووصف مختبر. انتهى انتهى {أعلام النبوة، للماوردي} ...