وقيل: المراد بقوله: {يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} قيامك إلى التهجد. وقوله: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} يريد ترددك في تصفح أحوال المجتهدين في العبادة وتقلب بصرك فيهم، كذا قال مجاهد.
ومعنى الآية: أي وفوض جميع أمورك إلى القادر على دفع الضر عنك، والانتقام من أعدائك الذين يريدون السوء بك، الرحيم إذ نصرك عليهم برحمته، وهو الذي يراك حين تقوم للصلاة بالناس، ويرى تنقلك من حال كالجلوس إلى حال كالقيام فيما بين المصلين إذا كنت إمامًا لهم. وفي الخبر:"أعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
وعبر عن المصلين بالساجدين؛ لأن العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد،
220 -ثم أكد ما سلف بقوله: {إِنَّهُ} سبحانه وتعالى {هُوَ السَّمِيعُ} لأقوال عباده فيسمع ما تقول {الْعَلِيمُ} بحركاتهم وسكناتهم وبسرهم ونجواهم، فيعلم ما تنويه وتعمله، كما قال سبحانه في آية أخرى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} .
وقصارى ذلك: أنه هو القادر على نفعكم وضركم، فهو الذي يجب أن تتوكلوا عليه، وهو الذي يكفيكم ما أهمكم.
221 -ولما قال المشركون: لم لا يجوز أن يقال: إن الشياطين تنزل بالقرآن على محمد - صلى الله عليه وسلم - ، كما أنهم ينزلون بالكهانة على الكهنة، وبالشعر على الشعراء .. فرق الله سبحانه وتعالى بين محمد - صلى الله عليه وسلم - وبين الكهنة والشعراء، فقال: {هَلْ أُنَبِّئُكُم} وأخبركم أيها المشركون {عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ} بتقدير همزة الاستفهام قبل حرف الجر، وبحذف إحدى التاءين من {تَنَزَّلُ} ؛ أي: هل أخبركم أيها المشركون جواب على من تتنزل الشياطين؟