رتب عَلَى هذه الأمور النهي عن الإشراك ولم يقل رتب النهي عن الإشراك عَلَى الأمر
بالْعبَادَة أو عَلَى الْعبَادَة، فسلك كل منهم إلَى مسلك صعب ومذهب تعب، فمنهم من قَالَ إن
الفاء للعطف المحض بدون التعقيب أو التعقيب بين الأمر والنهي دون المأمور به والمنهي
عنه، ومنهم من اختار أن الْعبَادَة مجاز عن إرادته، وبعضهم ذهب إلَى أن القصد هنا إلَى النهي
عن الشرك بعد الْعبَادَة لأنه يحبطها، ومنهم من حمل الترتيب عَلَى الترتيب الذكري وقال
فيكون لا تجعلوا موضحًا لـ اعبدوا وغير ذلك من التعسفات البعيدة عن الأذهان السليمة
الحمد لله ملهم الصواب وإليه المرجع والمآب.
قوله: (أو نفي منصوب بإضمار إن جواب له) كونه جوابًا للأمر مثل كون فيكون عَلَى
قراءة النصب جوابًا لكن في قَوْله تَعَالَى: (فَإنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) قال
مَوْلَانَا السعدي مراد المصنف بذلك النصب تشبيهًا بجواب الأمر من حيث مجيئه بعد الأمر
وليس بجواب من حيث الْمَعْنَى انتهى. فكذا الْمُرَاد هنا فلا يرد أن النصب بإضمار أن إنما
يجوز إذا كان هناك سببية والْعبَادَة ليست سببًا لعدم الشرك بل التوحيد أصلها والأحسن في
الْجَوَاب ما حققناه آنفًا من أن الْعبَادَة المقيدة بتلك القيود سبب لعدم الإشراك باعْتبَار قيدها
كأنه قيل كُونُوا واصفين ربكم الذي خلقكم وخلق أصولكم مواظبين عَلَى عبادته وطاعته إن
كنتم واصفين ربكم بهذه الأمور فلا تجعلوا لله أندادًا. هذا مقتضى كلامه الآتي فلا ريب في
حسن كونه جوابًا لـ اعبدوا بملاحظة ذلك الْمَعْنَى قال بعض الكملة والفاء للتسبب أي تسبب
عن إيجاد هذه الآيات الباهرة. النهي عن اتخاذكم الأنداد ولولا هذا الاعتبار لكان الأنسب
عطفه بالواو كما في قَوْله تَعَالَى: (واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تشركوا به) وهذا كما
يكون جوابًا للإشكال عَلَى تقدير العطف يكون جوابًا للإشكال عَلَى تقدير أن يكون منصوبًا
بإضمار أن فلا حاجة إلَى الْجَوَاب بأنه يجوز أن يكتفي بسببية الأول للإخبار بمضمون
الثاني كما في قَوْله تَعَالَى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) مع الثاني هنا إنشاء
يحتاج إلَى تأويل مقول في حقه الخ. ولا يخفى أنه تكلف.
قوله: (أو بلعل عَلَى أن نصب تجعل نصب(فَأَطَّلعَ) في قَوْله تَعَالَى:
(لَعَلّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماوات فَأَطَّلعَ) إلحاقًا لها بالأشياء الستة
لاشتراكها في أنها غير موجبة). نقل عن الرضي أنه قال كغيره من النحاة إن أهل العربية إنما
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: لاشتراكها في أنها غير موجبة. معناه لاشتراك أكثرها إن كان الْمُرَاد بالإيجاب ما ليس
بنفي لأن الأمر ليس فيه نفي حتى يشترك معها في أن غيرها موجبة أو لاشتراك الكل إن كان المراد
إيقاع النسبة، والأمر ليس فيه إيقاع لأن الإيقاع يكون في الخبر لا في الإنشاء، فالأمر غير موجب بهذا
الْمَعْنَى وكذا التمني وغيره من تلك الأشياء، وفي المفصل وقد لمح فيها معنى التمني من قرأ في
قَوْلُه تَعَالَى: (لَعَلّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماوات فَأَطَّلعَ) بالنصب وهي في
حرف عاصم. أقول: المفهوم من كلام القاضي أن لعل في هذا الوجه بمعنى التمني إلحاقًا لها بـ ليت
وكلام الكَشَّاف صريح في أن لعل عَلَى هذا الوجه بمعنى كي حيث قال أو بلعل عَلَى أن ينتصب