مياه السماء، ولا يخفى تعسفه (بدليل) وجه دلالة (قَوْلُه تَعَالَى:(فأخرجنا به ثمرات)
أنها نكرة مع جموع القلة وفيه تأمل؛ إذ النكرة قد تعم في الْإثْبَات كقوله
تَعَالَى: (علمت نفس ما قدمت) وجمع القلة كثيرا ما يستعمل في موضع
جمع الكثرة قوله (واكتناف المنكرين له أعني ماء ورزقا) والاكتناف من الكنف بمعنى
الجانب أي بدليل إحاطة المنكرين له فكون ما قبله وهو ماء وما بعده وهو رزق محمولين
على الجنس يناسبه كون الْمُرَاد بها بعضًا منها وهذا ضعيف أيضًا؛ إذ لا كلام في حسن قولنا
بعض الحيوان إنسان وكل إنسان متعجب وبعض المتعجب ضاحك بالفعل، فالتعليل بأنه
هكذا الواقع؛ إذ لم ينزل ولا أخرج بالمطر كل الثمرات كانت في إثبات التبعيض غايته أن
الوَجْهَيْن الأولين يفيدان الظن بالمطلوب، وأما الدلالة قطعًا فلا، وأما الوجه الثالث فيفيد
البعضية قطعًا، والْقَوْل بأن الدليل شامل لما يفيد اليقين والظن ضعيف؛ إذ التناول لهما في
إطلاق واحد غير ظَاهر قوله:(كأنه قال وأنزلنا منَ السَّمَاء بعض الماء فأخرجنا به بعض
الثمرات)بيان حاصل الْمَعْنَى وهذا شائع في كلام النحاة حيث قَالُوا في شربت من الماء أي
بعض الماء فكما لم يكن في كلامهم إشَارَة إلَى أنه مَفْعُول شربت بل تنبيه عَلَى حاصل
الْمَعْنَى كَذَلكَ ليس في كلامه إشَارَة إلَى أنه مَفْعُول أخرج ولو قيل إنه مَفْعُول أخرج إن
اعتبر من اسما بمعنى البعض وبيان حاصل الْمَعْنَى إن جعل حرفًا لم يبعد. فإن قيل كون من
اسمًا إذا كان للتبعيض ليس بثابت في كلامهم. قلت كون من اسمًا حين كونه بمعنى التبعيض
مما يخرجه النحرير التفتازاني من الْقُوَّة إلَى الْفعْل، كَمَا صَرَّحَ به العصام في شرح شرح
العقائد وتمام البحث في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (وَمنَ النَّاس مَنْ يَقُولُ آمَنَّا باللَّه وَبالْيَوْم الْآخر)
الآية. قوله: (ليكون بعض رزقكم) أشار به إلَى أن رزقًا مَفْعُول له في هذا
الاحتمال وعلة نحصيلية (وهكذا الواقع؛ إذ لم ينزل منَ السَّمَاء السماء كله) قوله (ولا أخرج
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: بدليل قَوْلُه تَعَالَى: (فأخرجنا به ثمرات) دلالته عَلَى البعضية من حيث
الجمعية والتنكير لأن ثمرات جمع قلة ومنكرة، وفي الكَشَّاف ومن في (من الثمرات)
للتبعيض بشهادة قوله: (فأخرجنا به من كل الثمرات) وقوله:(فأخرجا به
من الثمرات)وقوله: (فأخرجنا به ثمرات) ولأن المنكرين أعني
ماء ورزقًا يكتنفانه، وقد قصد بتفسيرهما معنى البعضية كأنه قيل وأنزلنا منَ السَّمَاء بعض الماء
فأخرجنا به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم وهذا هُوَ المطابق لصحة الْمَعْنَى لأنه لم ينزل من
السماء الماء كله ولا إخرج بالمطر جميع الثمرات ولا جعل الرزق كله في الثمرات.
قوله: بشهادة قوله: (فَأَخْرَجْنَا به منْ كُلّ الثَّمَرَات) وجه الشَّهَادَة أنه تَعَالَى
في قوله (حَتَّى إذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثقَالًا سُقْنَاهُ لبَلَدٍ مَيّتٍ فَأَنْزَلْنَا به الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا به منْ كُلّ الثَّمَرَات)
لم يرد بقوله: (سحابًا) كل السحاب ولا بالبلد الميت جميع الأراضي ولا أنزل من
السحاب الثقال كل الماء ولا أخرج به جميع الثمرات، بل أراد بالكل الأكثر ومنه قَوْلُه تَعَالَى:
(تُدَمّرُ كُلَّ شَيْءٍ بأَمْر رَبّهَا) (وَأُوتينَا منْ كُلّ شَيْءٍ) .
قوله: وهكذا الواقع أي وكذا ما وقع في الخارج وفي نفس الأمر.