ولك أن تحملها عَلَى الْحَقيقَة، وفي تقديم الْأَرْض إشَارَة إلَى أنها مخلوقة قيل خلق السماء
لكنها دحيت بعد خلق السماء كما روي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - في تفسير
قَوْلُه تَعَالَى: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلكَ دَحَاهَا) أن الْأَرْض كانت قبل خلق
السماء مخلوقة غير مدحوة ثم بعد خلق السماء دحيت ومدت كمد الأديم. قيل فحِينَئِذٍ يصح
اسْتعْمَال التصيير بلا تكلف، وإنَّمَا لم يحمل الْمُصَنّف عَلَى ذلك لأن الصّفَة يجب أن تكون
معلومة للمخاطب وكل النَّاس غير عالمين بهذا ولأجل هذا لم يعتبر التصيير بالْقيَاس إلَى
طوفان نوح عَلَيْهِ السَّلَامُ انتهى. وإن لم يكن الأمر كَذَلكَ فالتصيير من قبيل ضيق فم البئر.
قوله: (والسماء اسم جنس يقع عَلَى الواحد والمتعدد) فالأول مثل قَوْلُه تَعَالَى:(ولقد
زينا السماء الدُّنْيَا)والثاني مثل قَوْلُه تَعَالَى: (والسماء بناء) فإن
الظَّاهر الْمُرَاد بها السَّمَاوَات السبع وغرضه بيان وجه صحة إيراد السماء مع أن الْمُرَاد السَّمَاوَات
السبع فمست الحاجة إلَى بيانها هنا دون قَوْلُه تَعَالَى: (أَوْ كَصَيّبٍ منَ السَّمَاء)
فلا وجه لما قيل أول مَوْضع وأولاه بتفسير السماء قَوْلُه تَعَالَى: (أَوْ كَصَيّبٍ منَ السَّمَاء)
(كالدينار والدرهم) .
قوله: (وقيل جمع سماءة) بالهمز والمد يقال أيضًا سماوة بالواو. قيل إذًا الهمزة
منقلبة عن الواو لوقوعها بعد الألف الزائدة، وإنَّمَا، مرضه لأن إطلاقها عَلَى الواحد يأبى عن
كونها جمعًا، فالصواب أنها اسم جنس يفرق بينه وبين واحدها بالتاء كتمر وتمرة. فإن قلت: ما
وجه ذكرها في تعداد النعم؟ قلت إن فيها نعمًا كثيرة قال تَعَالَى:(وفي السَّمَاء رزقكم وما
توعدون)وقال تَعَالَى: (قل من يرزقكم منَ السَّمَاء والْأَرْض)
الآية. ولما كان بقاء الْإنْسَان وسائر الحيوان بسَبَب التعيش بالأرزاق والْأَرْض والسماء
منشأ الأرزاق كان خلقهما عَلَى الوجه المسطور من أجلّ النعم وأشرفها ومن هذا يظهر وجه
حسن اقترانهما في مقام الامتنان مع أن فيها من الكواكب التي هم بها يهتدون والقمر الذي
يحاسبون الأيام والشهور والأعوام والشمس التي بها نظام العالم وحياة كل حي؛ إذ بها يظهر
الزروع والأثمار، ولذا كانت المواضع التي كانت بعيدة عن الشمس وهي القريبة من القطب
لا تصلح للسكنى إلا للزرع والضرع. وهذا الوجه حسن في ذاته لكن لا تعرض للكواكب
وغيرها هنا ويؤيد الوجه الأول قَوْلُه تَعَالَى: (وأنزل منَ السَّمَاء ماء) الآية.
(والبناء مصدر سمي به المبني بيتًا كان أو قبة أو خباء) إشَارَة إلَى الفرق بَيْنَهُمَا بأن الأول
من طين ولبن وغير ذلك، والثاني مثل الخيمة، والخباء كالخيمة لكن من الصوف والوبر. وقال
قدس سره في حاشية الكَشَّاف البيت أعم وما في القاموس من أن البيت ما كان من المدر
أو الشعر لا يلائمه. وقال التفتازاني هُوَ من الطين واللبن والشعر والقبة مثل الخيمة والخباء
كالخيمة من الصوف والوبر دون الشعر فتدبر فإن العقل يتحير (ومنه بنى عَلَى امرأته) أي
من البناء بمعنى ضرب ما يصلح للسكنى وبنى عَلَى امرأته كناية عن الدخول بها، ووجهها ما
ذكره بقوله (لأنهم كانوا إذا تزوجوا) وأطلق بنى عَلَى امرأته عَلَى الدخول والوصول عَلَى