فلما أقروا بأنه الله سبحانه وفي كلها أقروا ضرورة يجدونها من أنفسهم
أجاب بقوله الحق: (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ(89) . أي: كيف تقلبون عن هذه
الحقائق إلى أباطيلكم؟!.
أتبع ذلك قوله الحق: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ ...(90) . يعني: الكتاب والنبوة(وَإِنَّهُمْ
لَكَاذِبُونَ)في قولهم المعاند للحق وصفهم رب العزة بالأنداد
والأولاد والصاحبة والمثل والشبيه، وما لا يجوز في تعاليه وهو مستحيل في صفاته
العلا وأسمائه الحسنى، لو كان ما قالوه - تعالى الله عن ذلك - لوقع التشاحن
والتشاجر والتمانع، ولعلا بعضهم على بعض سبحانه وله الحمد.
قوله - جلَّ جلالُه -: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ(99)
قوله: (رَبِّ) دعائه الواحد الأحد - جل ذكره - وقوله: (ارجعونِ) خطاب
لملائكة الموت.
يقول الله - جلَّ جلالُه -: (كَلَّا إِنَّهَا) . ليس كما ظن إرجاعًا إلى الدنيا(إِنَّهَا كَلِمَةٌ
هُوَ قَائِلُهَا)أي: لا بد له من الندم على ما فرط منه، فيسأل الرجعة لأجل ذلك، فلا
يسعف ولا يمكن من ذلك، ثم قال: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) .
سمى الدار الوسطى: برزخًا؛ إذ فيها من الدار الأولى ومن الدار الأخرى
كالغبشين في كل واحد منهما بقية الليل ومقدمة النهار، وكبرزخ البحر وهو مرتكص
العذب والمالح منه، وكالخيف بين السهل والجبل فيه من حزن الجبل وسهولة
السهل، وهي مدة لبثهم في التراب بعد الموت لما فيها من عذاب الدنيا، وما ينشأ
إليه في تلك؛ لأنها أحق حقيقة في النعيم والعذاب من هذه، كما أن الدار الآخرة
أحق حقيقة من هاتين دار الدنيا ودار البرزخ، والبرزخ مختلط الشيئين كبرزخ
البحرين واختلاط النهار بالليل إلى غير ذلك من الموجودات.
ومعنى قوله - جل قوله: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ) لما كانت
إلى الدنيا وجوههم وإلى الآخرة ظهورهم صلح ذكر الوراء في هذا الموضع، ألا
ترى أنهم قد يحصل لهم العلم بما قد مضى، وأما ما هو آتٍ فهم به جاهلون،
والأمام مضاف إليه العلم، والوراء بالضد، ولهذا أكثر ما يأتى هذا الخطاب بذكر