الوراء ولا أحسبه إلا لهذه العلة، والله أعلم.
(فصل)
قال الله - جلَّ من قائل: (قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ(93)
المعنى يخاطب في ذلك رسوله - جلَّ جلالُه - والذين اتبعوه واقتدوا به داخلون معه في هذا
الأمر، وقد كان ذكر الكفار مشركيهم والذين (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا)
تعالى الله عما يصفون ومنكري البعث، إلى غير ذلك من أصناف الكفرة والضالين،
ورد عليهم بما تقدم ذكره في أثناء السورة من إثبات الوحدانية والنبوة وتحقيق
النشأة الآخرة والإعادة بعد البداية.
ثم قررهم على كفرهم بما هو محصل في ذواتهم حقيقة خلافه الذي هو
الحق، ثم تبرأ من جميع ما نسبوه إليه وسبَّح نفسه - عز وجل - عن ذلك وتعالى علوًّا كبيرًا عن
افترائهم، ثم قال على أثر ذلك: (قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ(93) . أي:
من الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة (فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(94) .
ثم أعقب ذلك قوله الحق: (وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ(95) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) . التي هي
أحسن الصبر، والسيئة هو ما ظهر من خوفهم وهجرهم، وقد يكون معنى ذلك
اعبد ربك وادفع سيئاتك بحسنات تتبعها إياها، كما قال:(فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ
وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ). ثم إلى قوله:(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ
بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ
الْيَقِينُ).
ثم قال - عز من قائل: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ(97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98)
همزات الشياطين: ما ينسبونه إلى رب
العالمين من قبيح افترائهم، وعظيم ما يأتون به من إلقاء بذلك، ونفث في روع ونحو
هذا، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"رب أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه"
ونفخه"فهمزه: ما يلقيه إلى العبد مما يستعاذ بالله من شره، ونفثه: ذلك في الروع"