يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: رَبِّ إِنْ تُرِيَنِّي فِي هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مَا تَعِدُهُمْ مِنْ عَذَابِكَ فَلَا تُهْلِكَنِّي بِمَا تُهْلِكُهُمْ بِهِ. وَنَجِّنِي مِنْ عَذَابِكَ وَسَخَطِكَ , فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الْمُشْرِكِينَ؛ وَلَكِنِ اجْعَلْنِي مِمَّنْ رَضِيتَ عَنْهُ مِنْ أَوْلِيَائِكَ وَقَوْلُهُ: {فَلَا تَجْعَلْنِي} [جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: {إِمَّا تُرِيَنِّي} اعْتَرَضَ بَيْنَهُمَا بِالنِّدَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ جَزَاءٌ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ، لَا يُقَالُ: يَا زَيْدُ فَقُمْ، وَلَا: يَا رَبِّ فَاغْفِرْ، لِأَنَّ النِّدَاءَ مُسْتَأْنَفٌ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ، لَا تَدْخُلُهُ الْفَاءُ وَالْوَاوُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِكَلَامٍ قَبْلَهُ.
وَقَوْلُهُ {وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنَّا يَا مُحَمَّدُ عَلَى أَنْ نُرِيَكَ فِي هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مَا نَعِدُهُمْ مِنْ تَعْجِيلِ الْعَذَابِ لَهُمْ، لَقَادِرُونَ، فَلَا يَحْزُنَنَّكَ تَكْذِيبُهُمْ إِيَّاكَ بِمَا نَعِدُهُمْ بِهِ، وَإِنَّمَا نُؤَخِّرُ ذَلِكَ لِيَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ: ادْفَعْ يَا مُحَمَّدُ بِالْخَلَّةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَذَلِكَ الْإِغْضَاءُ وَالصَّفْحُ عَنْ جَهَلَةِ الْمُشْرِكِينَ , وَالصَّبْرُ عَلَى أَذَاهُمْ، وَذَلِكَ أَمْرُهُ إِيَّاهُ قَبْلَ أَمْرِهِ بِحَرْبِهِمْ.
وَعَنَى بِالسَّيِّئَةِ: أَذَى الْمُشْرِكِينَ إِيَّاهُ , وَتَكْذِيبُهُمْ لَهُ فِيمَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، يَقُولُ لَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اصْبِرْ عَلَى مَا تَلْقَى مِنْهُمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} قَالَ: «هُوَ السَّلَامُ، تُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيتُهُ»
عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} قَالَ: «وَاللَّهِ لَا يُصِيبُهَا صَاحِبُهَا حَتَّى يَكْظِمَ غَيْظًا , وَيَصْفَحَ عَمَّا يَكْرَهُ»
وَقَوْلُهُ: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ}