والمعنى: أي وإنا أيها الرسول لقادرون، على أن نريك ما ننزله بهم من العذاب، فلا يحزننك تكذيبهم بك، وإنما نؤخره حتى يبلغ الكتاب أجله، علمًا منا أن بعضهم أو بعض أعقابهم سيؤمن، ومن جراء ذلك لا نستأصلهم، ولا نمحو آثارهم،
96 -ثم أرشده إلى ما يفعل بهم إذا لحقه أذاهم، فقال: {ادْفَعْ} يا محمد {بِالَّتِي} ؛ أي: بالطريقة التي {هِيَ أَحْسَنُ} ؛ أي: أحسن طرق الدفع من الحلم والصفح، {السَّيِّئَةَ} التي تأتيك منهم من الأذى والمكروه، وهو مفعول ادفع. والسيئة: الفعلة القبيحة، وهو ضد الحسنة.
قال بعضهم: أي استعمل معهم ما جعلناك عليه من الأخلاق الكريمة والشفقة والرحمة، فإنك أعظم خطرًا من أن يؤثر فيك ما يظهرونه من أنواع المخالفات.
وفي"التأويلات النجمية"يعني: مكافأة السيئة جائزة، لكن العفو عنها أحسن، ويقال: ادفع بالوفاء الجفاء. ويقال: الأحسن ما أشار إليه القلب بالمعافاة، والسيئة ما تدعو إليه النفس للمكافأة. والمعنى؛ أي: قابل إساءتهم بما أمكن من الإحسان وتكذيبهم بالكلام الجميل، وبيان الأدلة على أحسن الوجوه، قيل: هذه الآية محكمة؛ لأن المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى وهن في الدين، أو نقصان في المروءة {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} ويذكرون؛ أي: بما يصفونك به على خلاف ما أنت عليه، كالسحر والشعر والجنون، والوصف: ذكر الشيء بحليته ونعته، فقد يكون حقًّا، وقد يكون باطلًا، وفيه وعيد لهم بالجزاء والعقوبة، وتسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإرشاد له إلى تفويض أمره إليه تعالى.
والخلاصة: أي ادفع الأذى عنه، بالخصلة التي هي أحسن بالإغضاء والصفح عن جهلهم والصبر على أذاهم وتكذيبهم بما أتيتهم به من عند ربك، ونحن أعلم بما يصفوننا به، وينحلونه إيانا من الاختلاق والأكاذيب، وبما يقولون فيك من السوء، وهجر القول، ومجازوهم على ما يقولون فلا يحزنك ذلك، واصبر صبرًا جميلًا.