وبعد أن وضح الحق، وصار كفلق الصباح، جاء بما هو كالنتيجة لذلك، فقال: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) } ، ويضيفونه إليه تعالى من الأولاد والشركاء؛ أي: تنزه ربنا وتقدس عما يقوله الكافرون، من أن له ولدًا أو شريكًا، أو نزهوه تنزيهًا، وقرئ: {عما تصفون} بتاء الخطاب.
92 - {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} ؛ أي: عالم السر والعلانية، بالجر على أنه بدل من الجلالة، وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو سبحانه وتعالى العالم بما غاب عن خلقه من الأشياء، فلا يرونه، ولا يشاهدونه، وبما يرونه ويبصرونه؟
والمراد: أن الذين قالوا بالولد والشريك مخطئون فيما قالوا، فإنهم يقولون عن غير علم، وأن الذي يعلم الأشياء شاهدها وغائبها, ولا تخفى عليه خافية من أمرهما قد نفى ذلك، فخبره هو الحق دون خبرهم.
وقرأ الإبنان - ابن كثير وابن عامر - وأبو عمرو هو حفص: {عالم} بالجر صفة للجلالة وقرأ باقي السبعة، وابن أبي عبلة وأبو حيوة وأبو بحرية بالرفع. قال الأخفش: الجر أجود؛ ليكون الكلام من وجه واحد. وقال ابن عطية: الرفع عندي أبرع، والغيب ما غاب عن الناس، والشهادة ما شاهدوه.
ثم إن الغيب بالنسبة إلينا، لا بالنسبة إليه تعالى، فهو عالم به وبالشهادة على سواء، وهو دليل آخر على انتفاء الشريك، بناءً على توفقهم في تفرده تعالى بذلك، ولذلك رتب عليه بالفاء في قوله: {فَتَعَالَى} الله وتنزه {عَمَّا يُشْرِكُونَ} به مما لا يعلم شيئًا من الغيب، ولا يتكامل عليه بالشهادة، فإن تفرده بذلك موجب لتعاليه عن أن يكون له شريك؛ أي: تقدس عما يقول الجاحدون والظالمون. و {الفاء} : في قوله: {فَتَعَالَى} عاطفة على محذوف معلوم من السياق، فكأنه قال: علم الغيب فتعالى، كقولك: زيد شجاع فعظمت منزلته؛ أي: شجع فعظمت، أو يكون على إضمار القول؛ أي: أقول فتعالى الله. والمعنى: أنه سبحانه متعالٍ عن أن يكون له شريك في الملك. والله أعلم.