{بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} : الذكر هنا بمعنى الشرف، أَي: أَتيناهم بالكتاب الذي فيه عزهم وشرفهم. {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا} : أَي أَجرًا عن التبليغ. {عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} : مائلون منحرفون عن طريق الجنة، وهو الصراط المستقيم، وفِعله من باب (قَعدَ) يقال: نكب عن الطريق، نكوبًا، ونكْبًا: إذا عدل عنه ومال إلى غيره.
التفسير
71 - {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ... } الآية.
أَي: ولو اتبع الحق سبحانه أَهواءَهم الزائفة، فوافقها بتشريع ما يشتهون، لكانت الطامة الكبرى؛ حيث تفسد السماوات والأَرض ومن فيهن، وتخرج عن الصلاح والانتظام بالكلية , لأن رغبات الناس قاصرة، وشهواتهم تختلف وتتضاد بما ينجم عنه أَشد الفساد، وأَقوى التنابذ والخلاف، ولكن الكون تام الصلاحية؛ لأنه جاءَ وفق مراد الحق تبارك وتعالى دون شريك؛ إذ {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا} .
وخُصَّ العقلاءُ بالذكر في قوله تعالى: {وَمَنْ فِيهِنَّ} لأن غيرهم تبع لهم في الصلاح والفساد. {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} : انتقال من التشنيع عليهم بما سبق إلى التشنيع عليهم لإعراضهم عما جبلت عليه النفس من الإقبال والرغبة فيما فيه خيرها ونفعها , أي: بل أتيناهم بالقرآن الذي فيه عزهم وشرفهم , حسبما ينطق به قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} فكان يجب عليهم لهذا أن يسرعوا إليه , ويقبلوا ما فيه أكمل قبول , ولكنهم عكسوا الآية {فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} أي: فَهُمْ بما فعلوا من نكوص وإعراض معرضون عما فيه شرفهم وفخرهم , وبيان ثوابهم وعقابهم , مسرعون إلى نقيضه مما لا يطلب منهم الإقبال عليه والاهتمام به.
وفي وضع الظاهر موضع المضمر حيث لم يُقَل: {فَهُمْ عَنْهُ} إشارة إلى مزيد من التشنيع عليهم والتقبيح لهم.