ويلاحظ أنه تكرر لفظ الرب في قوله تعالى: (مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْع وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم) ونقول: إن التكرار لتغاير معنى الربوبية، ففي الأولى السؤال عن الخالق، والمنمي، والقائم بالتدبير، والتسيير، والثاني معنى الربوبية السلطان والحكم، (قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) الأمر موجه للنبي - صلى الله عليه وسلم - ليقنعهم بخلق اللَّه مع استحقاقه وحده العبودية (أَفَلا تَتَّقُونَ) (الفاء) كما ذكرنا لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي أنه إذا كان يجب عليهم أن يتقوا اللَّه ويجعلوا وقاية بينهم وبين عذابه، ما دام هو رب هذا الوجود كله، ورب السلطان فيه وحده، وهو الذي يعذب من يشاء، ويغفر لمن يشاء.
ولقد أمره سبحانه أن يسألهم سؤالا ثالثا:
(قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89)
الملكوت صيغة مبالغة تفيد الملك الممكن الذي لا سلطان إلا له، فالواو والتاء للمبالغة، كجبروت، ورهبوت ورحموت، وزيادة المبني تدل على زيادة المعنى، و (مَنْ بِيَدِهِ) ، أي من له السلطان والملك الكامل لأقصى أنواع الملك، وهو يقبضه كما يقبض صاحب الصولجان.
وقد صور اللَّه سبحانه وتعالى اتساع سلطانه، وفرضه على كل إنسان وكل شيء بذي قوة يضم إلى جواره من يشاء، ويمنعه من أن تصل إليه يد معتدية، لا يمكن أن يكون لأحد جوار يمنعه سبحانه من أن ينزل من الهلاك ما شاء لمن شاء؛ لأنه فوق العالمين (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) : (إِن كنتُمْ تَعْلَمُونَ) ، وأتى بـ (إِن) ؛ لأن حالهم من الشرك تدل على أنهم لَا يعلمون،
(سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ...(89)
التعدية باللام لتضمن السؤال معنى الملك والسلطان، أي أن الملكوت كله للَّه تعالى.