{وهو الذي يحيي ويميت} .. والحياة والموت حادثان يقعان في كل لحظة ، وليس إلا الله يملك الموت والحياة ؛ فالبشر أرقى الخلائق أعجز من بث الحياة في خلية واحدة ، وأعجز كذلك من سلب الحياة سلباً حقيقياً عن حي من الأحياء. فالذي يهب الحياة هو الذي يعرف سرها ، ويملك أن يهبها ويستردها. والبشر قد يكونون سبباً وأداة لإزهاق الحياة ، ولكنهم هم ليسوا الذين يجردون الحي من حياته على وجه الحقيقة. إنما الله هو الذي يحيي ويميت ، وحده دون سواه.
{وله اختلاف الليل والنهار} .. فهو الذي يملكه ويصرفه كاختلاف الموت والحياة وهو سنة كونية كسنة الموت والحياة. هذه في النفوس والأجساد ، وهذه في الكون والأفلاك. وكما يسلب الحياة من الحي فيعتم جسده ويهمد ، كذلك هو يسلب الضوء من الأرض فتعتم وتسكن. ثم تكون حياة ويكون ضياء ، يختلف هذا على ذاك ، بلا فتور ولا انقطاع إلا أن يشاء الله.. {أفلا تعقلون؟} وتدركون ما في هذا كله من دلائل على الخالق المدبر ، المالك وحده لتصريف الكون والحياة؟
وهنا يعدل عن خطابهم وجدالهم ، ليحكي مقولاتهم عن البعث والحساب ، بعد كل هذه الدلائل والآيات:
{بل قالوا مثل ما قال الأولون. قالوا: أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون؟ لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل. إن هذا إلا أساطير الأولين} ..
وتبدو هذه القولة مستنكرة غريبة بعد تلك الآيات والدلائل الناطقة بتدبير الله ، وحكمته في الخلق ، فقد وهب الإنسان السمع والبصر والفؤاد ليكون مسؤولاً عن نشاطه وعمله ، مجزياً على صلاحه وفساده ؛ والحساب والجزاء يكونان على حقيقتهما في الآخرة ، فالمشهود في هذه الأرض أن الجزاء قد لا يقع ، لأنه متروك إلى موعده هناك.
والله يحيي ويميت ؛ فليس شيء من أمر البعث بعسير ، والحياة تدب في كل لحظة ، وتنشأ من حيث لا يدري إلا الله.