هذا السمع وحده وكيف يعمل؟ كيف يلتقط الأصوات ويكيفها؟ وهذا البصر وحده وكيف يبصر؟ وكيف يلتقط الأضواء والأشكال؟ وهذا الفؤاد ما هو؟ وكيف يدرك؟ وكيف يقدر الأشياء والأشكال ، والمعاني والقيم والمشاعر والمدركات؟
إن مجرد معرفة طبيعة هذه الحواس والقوى وطريقة عملها ، يعد كشفاً معجزاً في عالم البشر. فكيف بخلقها وتركيبها على هذا النحو المتناسق مع طبيعة الكون الذي يعيش فيه الإنسان ؛ ذلك التناسق الملحوظ الذي لو اختلت نسبة واحدة من نسبه في طبيعة الكون أو طبيعة الإنسان لفقد الاتصال ، فما استطاعت أذن أن تلتقط صوتاً ، ولا استطاعت عين أن تلتقط ضوءاً. ولكن القدرة المدبرة نسقت بين طبيعة الإنسان وطبيعة الكون الذي يعيش فيه ، فتم هذا الاتصال.
غير أن الإنسان لا يشكر على النعمة: {قليلاً ما تشكرون} .. والشكر يبدأ بمعرفة واهب النعمة ، وتمجيده بصفاته ، ثم عبادته وحده ؛ وهو الواحد الذي تشهد بوحدانيته آثاره في صنعته. ويتبعه استخدام هذه الحواس والطاقات في تذوق الحياة والمتاع بها ، بحس العابد لله في كل نشاط وكل متاع.
{وهو الذي ذرأكم في الأرض} .. فاستخلفكم فيها ، بعد ما زودكم بالسمع والأبصار والأفئدة ؛ وأمدكم بالاستعدادات والطاقات الضرورية لهذه الخلافة.. {وإليه تحشرون} .. فيحاسبكم على ما أحدثتم في هذه الخلافة من خير وشر ، ومن صلاح وفساد ، ومن هدى وضلال. فلستم بمخلوقين عبثا ، ولا متروكين سدى ؛ إنما هي الحكمة والتدبير والتقدير.