و مما أحسن فيه غاية الإحسان وعدّ من أوابده التي لا تبلى قوله:
تضيق بشخصك أرجاؤها ويركض في الواحد الجحفل
وتقصر ما كنت في جوفها وتركز فيها القنا الذّبّل
وكيف تقوم على راحة كأن البحار لها أنمل
فليت وقارك فرّقته وحملت أرضك ما تحمل
فصار الأنام به سادة وسدتهم بالذي يفضل
رأت لون نورك في لونها كلون الغزالة لا يغسل
وأنّ لها شرفا باذخا وأن الخيام بها تخجل
فلا تنكرنّ لها صرعة فمن فرح النفس ما يقتل
ولو بلّغ الناس ما بلّغت لخانتهم حولك الأرجل
ولما أمرت بتطنيبها أشيع بأنك لا ترحل
فما اعتمد اللّه تقويضها ولكن أشار بما تفعل
وعرّف انك من همه وأنك في نصره ترفل
فما العاندون وما أمّلوا وما الحاسدون وما قوّلوا
هم يطلبون فمن أدركوا؟ وهم يكذبون فمن يقبل؟
وهم يتمنّون ما يشتهون ومن دونه جدّك المقبل
والمعاني المخترعة فيها واضحة للعيان وكفى المتنبي فضلا أن يأتي بمثلها.
وفي كتاب الروضة لأبي العباس المبرد ، وهو كتاب جمعه واختار فيه أشعار شعراء بدأ فيه بأبي نواس ثم بمن كان في زمانه فقال مما أورده من شعره: وله معنى لم يسبق إليه بإجماع وهو قوله:
تدار علينا الراح في عسجدية حبتها بأنواع التصاوير فارس
قرارتها كسرى وفي جنباتها مها تدّريها بالقسيّ الفوارس
فللراح ما زرت عليه جيوبها وللماء ما دارت عليه القلانس
فالمعنى مخترع ولكنه - كما يقول الجاحظ - من المعاني المشاهدة فإن هذه الخمر لم تحمل إلا ماء يسيرا وكانت تستغرق صور هذه الكأس إلى مكان جيوبها وكان الماء فيها قليلا بقدر القلانس التي على رؤوسها وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر.
وثانيهما: المعاني التي تستخرج من غير شاهد حال متصورة فانها أصعب منالا مما يستخرج بشاهد الحال وقد قيل: إن أبا تمام أكثر الشعراء المتأخرين ابتداعا للمعاني وقد عدت معانيه المبتدعة فوجدت ما يزيد على عشرين معنى:
فمن ذلك قوله: