ثانيهما: أن ذلك مقصور على الجبال والطير فقط، فكان (( إذا سّبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه، واجتماعها إليه كأن حشرها ) ).
وكذلك الصوت الحسن الذي امتن الله به على داود موهبة كريمة من الله تعالى، ونص بعض المفسرين على أنه من العلم الذي أشار الله إليه في قوله تعالى: {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} ، وأطلق بعضهم عليه علم الألحان.
قال ابن العربي (ت 543 هـ) عند تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً} : (( والأصوات الحسنة نعمة من الله تعالى وزيادة في الخلق ومنّة، وأحق ما لبست هذه الحُلّة النفيسة والموهبة الكريمة كتاب الله، فنعم الله إذا صرفت في الطاعة فقد قضى بها حق النعمة ) )، وتحسين الصوت بالقراءة أمر متفق على استحبابه، وأما الألحان فوقع بين السلف اختلاف في جواز القراءة بها، قال ابن حجر (ت 852 هـ) : (( والذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسناً فليحسنه ما استطاع ... ومن جملة تحسينه أن يُراعى فيه قوانين النغم، فإن الحسن الصوت يزداد حسناً بذلك وإن خرج منها أثّر ذلك في حسنه، وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يف تحسين الصوت بقبح الأداء، ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام؛ لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعي الأداء، فإن وجد من يراعيهما معاً فلا شك في أنه أرجح من غيره؛ لأنه يأتي بالمطلوب مع تحسين الصوت، ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء ) ).