أحدهما: أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم مخصوص منهم بجواز الخطأ عليهم دونه قاله أبو علي بن أبي هريرة رضي الله عنه ، وفرق بينه وبين غيره من جميع الأنبياء ، لأنه خاتم الأنبياء فلم يكن بعده من يستدرك غلطه ، ولذلك عصمه الله منه ، وقد بعث بعد غيره من الأنبياء مَنْ يستدرك غلطه.
والقول الثاني: أنه على العموم في جميع الأنبياء ، وأن نبينا وغيره من الأنبياء في تجويز الخطأ على سواء ، إلا أنهم لا يقرون على إمضائه ، فلم يعتبر فيه استدراك مَنْ بعدهم من الأنبياء ، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سألته امرأة عن العدة ، فقال لها:"اعْتَدِّي حَيْثُ شِئْتِ"ثم قال:"يَا سُبْحَانَ اللَّهِ ، امْكُثِي فِي بَيتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ"وقال رجل: أرأيتَ إن قُتِلتُ صابراً محتسباً أيحجزني عن الجنة شيء؟ فقال: (لاَ) ، ثم دعاه فقال:"إِلاَّ الدَّينُ كَمَا أَخْبَرَنِي بِهِ جِبْرِيلُ". ولا يوجد منه إلاّ ما جاز عليه.
ثم قال تعال: {وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} قال الحسن: لولا هذه الآية لرأيت أن القضاة قد هلكوا ، ولكنه أثنى على سليمان على صوابه وعذر داود باجتهاده.
فإن قيل: فكيف نقض داود حكمه باجتهاد سليمان؟ فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: يجوز أن يكون داود ذكر حكمه على الإِطلاق وكان ذلك منه على طريق الفتيا فذكره لهم ليلزمهم إياه ، فلما ظهر له ما هو أقوى في الاجتهاد منه عاد إليه.
الثاني: أنه يجوز أن يكون الله أوحى بهذا الحكم إلى سليمان فلزمه ذلك ، ولأجل النص الوارد بالوحي رأى أن ينقض اجتهاده ، لأن على الحاكم أن ينقض حكمه بالاجتهاد إذا خالف نصاً.
على أن العلماء قد اختلفوا في الأنبياء ، هل يجوز لهم الاجتهاد في الأحكام؟ فقالت طائفة يجوز لهم الاجتهاد لأمرين:
أحدهما: أن الاجتهاد في الاجتهاد فضيلة ، فلم يجز أن يحرمها الأنبياء.