وهذه سُنَّة الله في خَلْقه ، بل موتك يا محمد لنسرع لك بالجزاء على ما تحمّلْته من مشاقِّ الدعوة ، وعناء الحياة الدنيا .
لذلك"لما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموت قال:"بل الرفيق الأعلى"أما نحن فنتشبث بالحياة ، ونطلب امتدادها ."
فقوله: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد ...} [الأنبياء: 34] فأنت كغيرك من البشر قبلك ، أما مَنْ بعدك فلن يخلدوا بعد موت {أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون} [الأنبياء: 34] فلا يفرحوا بموتك ؛ لأنهم ليسوا خالدين من بعدك . {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت وَنَبْلُوكُم ...} .
إذن: فالموت قضية كونية عامة ، وهي في حقيقتها خَيْر ، فإنْ كانوا أخياراً نُعجِّل لهم جزاءهم عند الله ، وإنْ كانوا أشراراً فقد أراحَ اللهُ منهم البلاد والعباد .
لكن ، كيف يُذَاق الموت؟ الذَّوْق هنا يعني إحساسَ الإنسان بالألم من الموت ، فإنْ مات فعلاً يستحيل أن يذوق ، أما قبل أن يموت فيذوق مقدمات الموت ، والشاعر يقول:
وَالأَسَى بَعْد فُرْقَةِ الرُّوحِ عَجْزٌ ... وَالأسَى لاَ يكُونُ قَبْل الفِرَاقِ
فعلى أيِّ شيء يحزن الإنسان بعد أن يموت؟ ولماذا الحزن قبل أن يموت؟
فالمراد - إذن - ذائقةٌ مقدمات الموت ، التي يعرف بها أنه ميت ، فالإنسان مهما كان صحيحاً لا بُدّ أنْ يأتي عليه وقت يدرك أنه لا محالةَ ميت ، ذلك إذا بلغت الروح الحلقوم ، كما قال تعالى: {كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التراقي * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الفراق} [القيامة: 26 - 28] فالموت في هذه الحالة أمر مقطوع به .