أقول وتحقيقه أن العدم نفي محض ، فليس فيه ذوات مميزة وأعيان متباينة ، بل كأنه أمر واحد متصل متشابه ، فإذا وجدت الحقائق فعند الوجود والتكون يتميز بعضها عن بعض وينفصل بعضها عن بعض ، فبهذا الطريق حسن جعل الرتق مجازاً عن العدم والفتق عن الوجود.
وخامسها: أن الليل سابق على النهار ، لقوله تعالى: {وَءايَةٌ لَّهُمُ الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار} [يس: 37] وكانت السماوات والأرض مظلمة أولاً ففتقهما الله تعالى بإظهار النهار المبصر ، فإن قيل: فأي الأقاويل أليق بالظاهر ؟ قلنا: الظاهر يقتضي أن السماء على ما هي عليه ، والأرض على ما هي عليه كانتا رتقاً ، ولا يجوز كونهما كذلك إلا وهما موجودان ، والرتق ضد الفتق فإذا كان الفتق هو المفارقة فالرتق يجب أن يكون هو الملازمة ، وبهذا الطريق صار الوجه الرابع والخامس مرجوحاً ، ويصير الوجه الأول أولى الوجوه ويتلوه الوجه الثاني.
وهو أن كل واحد منهما كان رتقاً ففتقهما بأن جعل كل واحد منهما سبعاً ، ويتلوه الثالث وهو أنهما كانا صلبين من غير فطور وفرج ، ففتقهما لينزل المطر من السماء ، ويظهر النبات على الأرض.
المسألة السادسة:
دلالة هذه الوجوه على إثبات الصانع وعلى وحدانيته ظاهرة ، لأن أحداً لا يقدر على مثل ذلك ، والأقرب أنه سبحانه خلقهما رتقاً لما فيه من المصلحة للملائكة ، ثم لما أسكن الله الأرض أهلها جعلهما فتقاً لما فيه من منافع العباد.
النوع الثاني من الدلائل: قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيْء حَيّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} وفيه مسائل:
المسألة الأولى: