وكذلك ما رواه الأزرقي - أيضًا - عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض من الجنة كان رأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، وهو مثل الفلك في رعدته، قال: فطاطأ الله
منه إلى ستين ذراعًا، فقال: يا ربِّ! ما لي لا أسمع أصوات الملائكة، ولا حسهم؟ قال: خطيئتك يا آدم، ولكن اذهب فابنِ لي بيتًا، فطف به، واذكرني حوله كنحو ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي، قال: فأقبل آدم يتخطى، فطويت له الأرض، وقبضت له المفاوز، فصار كل مفازة يمر بها خطوة ... ، فذكر الحديث في بناء آدم البيت.
والبيت الحرام بنته الملائكة أولاً، ثم عفا، ثم أمر آدم ببنائه ثانيةً، كما في الأثر.
وبذلك يجمع بين ما ذكرناه آنفًا عن ابن عباس، وما ذكرناه قبله عن علي بن الحسين - رضي الله عنهم -.
* فَائِدَةٌ لَطِيْفَةٌ:
ذكر الإمام أبو سعيد الخركوشي رحمه الله تعالى في كتاب"شرف المصطفى - صلى الله عليه وسلم -": أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"الْكَعْبَةُ مَحْفُوْفَةٌ بِسَبْعِيْنَ أَلفاً مِنَ الْمَلائِكَةِ يَسْتَغْفِرُوْنَ لِمَنْ طافَ بِها، وَيُصَلُّوْنَ عَلَيْهِ".
ففي هذا الحديث أن من أعمال الملائكة الدعاء لعامة الطائفين، والصلاة عليهم.
وقد تقدم لذلك نظائر، فينبغي الاقتداء بالملائكة في ذلك بتعميم الدعاء عند الكعبة، وغيرها من الأماكن الشريفة.
وقد تلبس الإمام عمر بن عبد العزيز بهذه الخصلة الشريفة - فيما ذكره أبو سعيد - أيضًا - عن سفيان بن عيينة، عن ابن عبد الملك، قال: حجَّ عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه بالناس، فلما نظر إلى مجتَمَع الناس بعرفةَ قال: اللهم زد في إحسان محسنهم، وتجاوز عن مسيئهم، وراجع بمسيئهم إلى التوبة، وحُطَّ من أوزارهم بالرَّحمة.
قال ابن عيينة: هكذا يكون الراعي يدعو لأهل رعيته.
قلت: وإذا كان الراعي داعيًا لأهل رعيته كان دعاؤه دليل الشفقة والرحمة، وبذلك يكون خيار الرعاة.