فقال بشر:"قد خطبت وتكلمت وهذيت وتركتك حتى تفرغ مما ادعيت (من إبطال خلق القرآن) بنص التنزيل، ومعنا من كتاب الله آية لا يتهيأ لك معارضتها ولا دفعها، ولا التشبيه فيها، ولا الخطب عليها، كما فعلت في غيرها، وإنما أخرتها ليكون انقضاء المجلس عليها وسفك دمك بها".
قال عبد العزيز: فقلت له:"فاتها فأنا أشهد أمير المؤمنين على نفسي إني أول من يتبعك عليها ويقول بها، ويرجع عن قوله، ويكذب نفسه ويتوب إلى الله إن كان معك نص التنزيل، وكل من خالف نص التنزيل فهو كافر، والله لو اجتمعت الأنس والجن على ما قلت أن يأتوا به لم يقدروا أن يأتوا به ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا".
قال بشر:"قال الله عز وجل: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} 2"
قال عبد العزيز: فقلت له:"لا أعرف أحدا من المؤمنين إلا وهو يؤمن بهذا ويقول: إن الله جعل القرآن عربيا ولا يخالف ذلك. فأي شيء في هذا من الحجة لك والدليل على خلقه".
فقال بشر:"وهل في الخليقة أحد يشك في هذا أو يخالف علي فيه إن معنى جعلناه خلقناه".
قال عبد العزيز:"يا أمير المؤمنين هات نص التنزيل الذي قال يأتي به ورجعنا إلى معناه وتأويله".
فقال بشر:"ما هذا تأويل ولا تفسير ولا معنى، ولا هو إلا نص التنزيل".
قال عبد العزيز:"فأقبلت على المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك إن القرآن منزل بلسانك وبلسان قومك، وأنت أفهم أهل الأرض بلغة العرب ومعاني كلامها، وبشر رجل من أبناء الأعاجم يتأول كتاب الله على غير ما عناه الله عز وجل ويحرفه عن مواضعه ويبدل معانيه، ويقول ما تنكره العرب ولا تتعارفه في كلامها ولغاتها، وأنت أعلم خلق الله بلغات قومه، وإنما يكفر بشر الناس ويبيح دماءهم بتأويل التنزيل".