فجعل بشر يقول:"جاء الحق وزهق الباطل، تروح يا عبد العزيز إلى الكلام والخطب والاستغاثة بأمير المؤمنين أطال الله بقاه لينقطع المجلس قال الله عز وجل: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} ثم ضرب بشر يده على فخذي وقال: أقبل علي فقد أتيت بما لا تقدر على دفعه ولا على التشبيه فيه لينقطع المجلس بثبات الحجة عليك وإيجاب العقوبة عليك، فإن يكن عندك شيء تتكلم به، وإلاّ فقد قطع الله مقالك وأدحض حجتك، وجعل يصيح، فرحناك في أول ما أردت فأين كلامك واحتجاجك إنه انقطع ذاك وجاء ما يخرس اللسان ويذهب العقل ويحل الدم."
قال عبد العزيز:"فأقبل علي المأمون فقال: يا عبد العزيز مالك قد أمسكت أجبه إن كان عندك جواب لمسألته، فقلت: ليس يدعني يا أمير المؤمنين أكلمه من ضجيجه وصياحه، فإن أمسك تكلمت وأجبته وكسرت قوله بإذن الله عز وجل، وإن أراد أن يهذي ويروج الكلام إلى قطع المجلس لم أتكلم، وكان أمير المؤمنين"
أطال الله بقاه أعلا عينا بما يراه، فصاح به المأمون أمسك وأسمع الجواب منه عما سألت"."
قال عبد العزيز:"فأمسك، فقال لي المأمون: تكلم يا عبد العزيز بما تريد. فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك ما خفي عليك حرف واحد مما جرى اليوم في مجلسك ولنعم الحاكم أنت جزاك الله عن رعيتك أفضل الجزاء، وبشر يقول: ما يخطر بباله من غير علم ولا حقيقة لقوله، فإن رأى أمير المؤمنين أن يتحفظ علينا ألفاظنا وما يجري بيننا في هذه المسألة ويشهد علينا بما نقول ويطالب كل واحد منا صاحبه بإقامة الشاهد على ما يقول، من الكتاب والسنة فعل. فقال: أنا أفعل ذلك منذ اليوم".