لذلك نجد أن اللغة قد راعتْ قدرة المتكلم ، ووضعتْ له الزمن المناسب ، فإنْ علمتَ حدوث العفل قُلْ بالماضي: حضر فلان ، انتهت القضية ، فإنْ علمتَ أنه توجه للحضور واستعدَّ له قُلْ: سيحضر فلان أي قريباً ، أو سوف يحضر أي: بعد ذلك .
هذا الذي يناسب قدرة البشر . أما الحق سبحانه فيملك زمام الأشياء وتوجيهها ، وكلّ شيء مرهون بأمره التكويني ، فإنْ قال للأمر المستقبل: أتى أو اقترب فصدِّق ؛ لأنه لا شيء يُخرج الأمر عن مراده تعالى ، وهو وحده الذي يملك الانفعال لكلمة كُنْ ، فإنْ قالها فَقد انتهتْ المسألة .
لذلك يقول سبحانه: {اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ...} [الأنبياء: 1] بصيغة الماضي ولم يقل: يقترب أو سيقترب ؛ لأن المتكلم هو الله .
وقد ورد الماضي (قترب) أيضاً في قوله تعالى: {اقتربت الساعة وانشق القمر} [القمر: 1] .
وفي قوله تعالى {واسجد واقترب} [العلق: 19] فاقترب غير قَرُب ، قرُب: يعني دنا ، أما اقترب أي: دنا جداً حتى صار قريباً منك .
والحساب: كلمة تُطلَق إطلاقات عِدّة ، فالحساب أنْ تحسب الشيء بالأعداد جمعاً ، أو طرحاً ، أو ضَرْباً ، وتدير حصيلة لك أو عليك ، فإنْ كانت لك فأنت دائن ، وإنْ كانت عليك فأنت مدين .
أو تربط المسبِّبات بأسبابها .
وهناك أمور تأتي بغير حساب ، كما قال تعالى: {إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37] فهذه مسألة لا تستطيع ضبطها ، والله لا يُسأل: أعطاني زيادة أم نقصاناً .
أما الحساب في {اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ...} [الأنبياء: 1] فيقتضي مُحَاسباً هو الله عز وجل ، ومُحاسَباً هم الناس ، ومُحَاسَباً عليه وهي الأعمال والأحداث التي أحدثوها في دنياهم ، وهذه قسمان: قسم قبل أنْ يُكلَّفوا ، وقسم بعد أن كُلِّفوا .