ثم قال: فنحن قلنا بما يوافق العقل والنقل من كمال قدرته ومشيئته: وإنه قادر على الفعل بنفسه كيف شاء . وقلنا إنه لم يزل موصوفاً بصفات الكمال متكلماً ذاتاً . فلا نقول إن كلامه مخلوق منفصل عنه ، فإن حقيقة هذا القول أنه لا يتكلم . ولا نقول إنه شيء واحد ، أمر ونهي وخبر . فإن هذا مكابرة للعقل . ولا نقول أنه أصوات منقطعة متضادة أزلية ، فإن الأصوات لا تبقى زمانين . وأيضا فلو قلنا بهذا القول والذي قبله ، لزم أن يكون تكليم الله للملائكة ولموسى ولخلقه يوم القيامة ، ليس إلا مجرد خلق الإدراك لهم ، لمَاَ كان أزلياً لم ومعلوم أن النصوص دلت على ضد ذلك . ولا نقول إنه صار متكلما بعد أن لم يكن متكلما . فإنه وصف له بالكمال بعد النقص وإن صار محلاً للحوادث التي كمل بها بعد نقصه . ثم حدوث ذلك الكمال لا بد له من سبب . والقول في الثاني كالقول في الأول . ففيه تجدد جلاله ودوام أفعاله . انتهى ملخصاً .
ثم بين تعالى ما كانوا يتناجون به من ضلالهم ، بقوله سبحانه:
{لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} أي: أسروا هذا الحديث ليصدوا عن سبيل الله . والذين بدل من واو أسروا أو مبتدأ خبره أسروا أو منصوب على الذم: {أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ} أي: تنقادون له وتتبعونه . وقوله: {وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} حال مؤكدة للإنكار والاستبعاد . قال الزمخشري رحمه الله: اعتقدوا أن رسول الله لا يكون إلا ملكاً ، وأن كل من ادعى الرسالة من البشر وجاء بالمعجزة هو ساحر ، ومعجزته سحره . فلذلك قالوا على سبيل الإنكار: أفتحضرون السحر وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر .
قال أبو السعود: وزلّ عنهم أن إرسال البشر إلى عامة البشر ، هو الذي تقتضيه الحكمة التشريعية . وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: