أقول: واستعارة «الدمغ» في هذا الخصوص استعارة جميلة، لإحكام تصوير حقيقة محق الباطل بالحقّ.
6 -وقال تعالى: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ(19) .
وقوله تعالى: (وَلا يَسْتَحْسِرُونَ(19) .
أي لا يعيون، عن قتادة والسّدّيّ.
وقيل: لا يملّون، وقيل: لا ينقطعون، مأخوذ من البعير الحسير، المنقطع بالإعياء.
7 -وقال تعالى: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الآية 22] .
أقول: الضمير في قوله تعالى: (فِيهِما ضمير الاثنين يعود إلى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ في الآية 19:
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.
فقد عدّت «السماوات» أحد جزأي المثنّى نظير «الأرض» فجاء الضمير
كناية عنهما، ولم يلتفت إلى أن «السماوات» جمع.
ومثل هذه المسألة ما ورد في الآية 30: من السورة نفسها، وهي:
أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما.
8 -وقال تعالى: (وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ [الآية 31] .
أي: كراهة «أن تميد بهم» .
أقول: وحذف المصدر المبيّن للسبب، وهو المفعول له، ورد في لغة القرآن التماسا للإيجاز، وهو مطلب من مطالب البلاغة، وأنه يلمح في المعنى، ومن ذلك قوله تعالى: (وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل: 15 ولقمان: 10] .
أي: كراهة أن تميد بكم.
وقوله تعالى: (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ [الإسراء: 46] .
والتقدير كراهة أن يفقهوه.
9 -وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(33) .
وفي قوله تعالى: (يَسْبَحُونَ(33) . إضافة فعل العقلاء إليها، سوّغ مجيء الواو والنون، كما قال سبحانه:
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (4) [يوسف] .
10 -وقال تعالى: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [الآية 57] .
أي لأدبّرنّ في بابهم تدبيرا خفيّا يسوؤكم ذلك.
والفعل «كاد يكيد» فعل متعدّ، كما في الآية وقد يطوى المفعول به، كما في قوله تعالى: (كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ[يوسف:
إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً (16) [الطارق] .
والكيد التدبير بباطل أو حقّ.
والكيد الخبث والمكر.