وقوله تعالى {حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ} مفعول {يعلم} وهو عبارةٌ عن الوقت الموعودِ الذي كانوا يستعجلونه، وإضافتُه إلى الجملة الجارية مَجرى الصفة التي حقَّها أن تكونَ معلومةَ الانتسابِ إلى الموصوف عند المخاطب أيضاً مع إنكار الكفرة لذلك للإيذان بأنه منَ الظهورِ بحيثُ لا حاجة له إلى الإخبار به، وإنما حقُّه الانتظامُ في سلك المسلّمات المفروغ عنها.
وتخصيصُ الوجوه والظهور بالذكر بمعنى القُدّام والخَلْف لكونهما أشهرَ الجوانب واستلزامِ الإحاطة بهما الإحاطةَ بالكل بحيثُ لا يقدرُون على دفعها بأنفسهم من جانب من جوانبهم.
{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (41) }
وقوله تعالى {بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ} أي من أولئك الرسلِ عليهم السلام متعلق بـ {حاق} وتقديمُه على فاعله الذي هو قوله تعالى {مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} للمسارعة إلى بيان لحوقِ الشرّ بهم.
و {ما} إما موصولةٌ مفيدةٌ للتهويل، والضمير المجرورُ عائدٌ إليها والجار متعلق بالفعل، وتقديمُه عليه لرعاية الفواصلِ. أي فأحاط بهم الذين كانوا يستهزئون به حيث أُهلكوا لأجله.
وإما مصدريةٌ فالضمير المجرور راجعٌ حينئذ إلى جنس الرسول المدلولِ عليه بالجمع كما قالوا، ولعل إيثارَه على الجمع للتنبيه على أنه يحيق بهم جزاءُ استهزائهم بكل واحدٍ واحدٌ منهم عليه السلام لا جزاءُ استهزائهم بكلهم من حيثُ هو كلٌّ فقط
{قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42) }
وتقديم الليل لما أن الدواهيَ أكثرُ فيه وقوعاً وأشدُّ وقعاً، وفي التعرض لعنوان الرحمانية إيذان بأن كلئهم ليس إلا رحمتُه العامةُ.