23 -وقوله: {لِنُرِيَكَ} متعلق بمحذوف تقديره؛ أي: فعلنا ما فعلنا من قلب العصا حيةً، وجعل اليد بيضاء، لنريك بهاتين الآيتين {مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى} ؛ أي: بعض آياتنا العظمى، فكل من العصا واليد، من الآيات الكبرى, والدلائل العظام، وهي تسع كما قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} وقد سبق بيانها، ومن المعلوم: أن الكبرى اسم تفضيل؛ أي: التي هي أكبر من غيرها، حتى من العصا، وذلك لأن المراد الكبرى في الإعجاز، واليد كذلك فإنها أكبر آيات موسى، كما نقله الخازن عن ابن عباس؛ لأنها لم تعارض أصلًا، وأما العصا فقد عارضها السحرة كما سيأتي.
24 -ثم صرح سبحانه بالغرض المقصود من هذه المعجزات فقال: {اذْهَبْ} يا موسى {إِلَى فِرْعَوْن} بما رأيته من الآيتين العظيمتين، وادعه إلى عبادتي، وحذره من نقمتي، وخصه بالذكر؛ لأن قومه تبع له، ثم علل ذلك بقوله: {إِنَّهُ طَغَى} أي: عصى، وتكبر، وكفر، وتجبر، وجاوز الحد، حتى تجاسر على دعوى الربوبية، وقال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} .
قال وهب بن منبه: قال الله لموسى: (اسمع كلامي، واحفظ وصيتي، وانطلق برسالتي، فإنك بعيني وسمعي، وإن معك يدي ونصري، وإني ألبستك جبةً من سلطاني، تستكمل بها القوة في أمرك، أبعثك إلى خلقٍ ضعيف من خلقي، بطر نعمتي، وأمن مكري، وغرته الدنيا، حتى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي، أقسم بعزتي، لولا الحجة التي وضعت بيني وبين خلقي .. بطشت به بطشة جبار، ولكن هان علي، وسقط من عيني، فبلغه رسالتي، وادعه إلى عبادتي، وحذره نقمتي، وقيل له قولًا لينًا، لا يغتر بلباس الدنيا، فإن ناصيته بيدي، لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي) ، قال: فسكت موسى سبعة أيام لا يتكلم، حتى جاءه ملك فقال: أجب ربك فيما أمرك، فحينئذ