وقال ابن كيسان: (على رأس أربعين سنة، وهو القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء) . والعرب تقول: جاء فلان على قدر، إذا جاء لميقات الحاجة إليه، قال جرير:
نَالَ الخِلاَفَةَ إِذْ كَانَتْ لَه قَدَرًا ... كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ
وعلى هذا معنى القدر: قدر السن [الذي هو: أربعون سنة] وهو مبلغه. قال الزجاج: (قيل: على قدر من تكليمي إياك) . وهو هذا المعنى الذي ذكرناه وإنما لم يوصف القدر وهو نكره؛ لأنه معلوم عند الله، وعند الناس كم هو. وقال مجاهد: ( {عَلَى قَدَرٍ} علي موعد) . وهذا أيضًا بالمعنى الأول؛ لأنه لم يسبق بين الله وموسى مواعدة للمجيء حتى يقال: إن موسى أتى على ذلك الوعد، ولكن المعنى: على الموعد الذي وعده الله وقدره في علمه أن يوحي إليه الرسالة وهو أربعون سنة. وهذا معنى قول محمد بن كعب: (ثم جئت على القدر الذي قدرت أنك تجيء) .
وقال الفراء: (يريد على ما أراد الله من تكليمه) . يعنيِ على ذلك السن. وقال الكلبي: (وافق الكلام عند الشجرة) .
وقال الليث: (وإذا وافق الشيء الشيء قلت: جاء قدره) . وروى مغيرة عن إبراهيم: (أنه كان يكره أن يضرب المثل في القرآن) . مثل قوله: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} .
41 -قوله تعالى: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} الاصطناع: اتخاذ الصنيعة وهي الخير تسديه إلى الإنسان، وهذا افتعال من الصنع. قال الشاعر:
فَإذا اصْطَنَعْتَ صَنِيعَة فَاقْصد بِها ... الله ولِذَوي القَرَابة أَودَع
ومعنى {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} قال ابن عباس: (يريد اصطنعتك لوحيي ورسالتي) .
وقال الكلبي: (اخترتك بالرسالة لنفسي، لكي تحبني وتقوم بأمري) .