وتفسير {وَفَتَنَّاكَ} بالاختبار والابتلاء صحيح، إلا أنه لا يأتي بالمعنى هاهنا، والوجه ما ذكره ابن عباس في رواية عطاء قال: (يريد خلصناك إخلاصًا من الذبح وغيره) . وهذا قول سعيد بن جبير حين سأله عن الفتون ما هو؟ في حديث طويل.
وعن مجاهد في رواية ابن أبي نجيح قال: (الفتون وقوعه في محنة خلصه الله منها أولها: أن أمه حملته في السنة التي كان يذبح الأطفال فيها، ثم: إلقاؤه في البحر، ثم: منعه الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم: جره لحية فرعون حتى هم بقتله، ثم: تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم: مجيء رجل من شيعته يسعى ليخبره بما عزموا عليه من قتله) . وهذا معنى قولهما وقد اختصرته. وكان ابن عباس يقص القصة على سعيد بن جبير ويقول عند كل بلية: (هذا من الفتون يا ابن جبير) . ويؤكد هذا ما روي عن سفيان أنه قال: (بلغني عن ابن عباس في هذه: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} قال: بلاء على كل بلاء) . وعلى هذا معنى {وَفَتَنَّاكَ} : خلصناك من تلك المحن، كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبيث وشائب. والفتون مصدر.
قال ابن الأنباري في القول الأول: (معناه الامتحان الذي يبتلى معه صبر الممتحن، والأنبياء وأهل الخير يختبرهم الله تعالى ليسعدهم، ويجعل حسن العقبى لهم، فتفسير: {وَفَتَنَّاكَ} ابتليناك بغم القتل، يعني: قتل القبطي. والفتنة في القول الثاني: الإخلاص من قولهم: فتنته فتنة في النار، إذا خلصته مما يتعلق به مما يفسده) .
وقوله تعالى: {فَلَبِثْتَ سِنِينَ} نظم الآية: وفتناك فتونًا، فخرجت خائفًا إلى أهل مدين، فلبثت سنين ولكنه من الحذف الذي ذكره الفراء.
وقوله تعالى: {فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} يعني بلد شعيب، وكان على ثمان مراحل من مصر. {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} قال ابن عباس: (يريد موافقًا للنبوة؛ لأن الأنبياء لا يبعثون إلا أبناء أربعين سنة) .
وقال قتادة: (على قدر الرسالة والنبوة) .