فهذا تقدير خاص، وهو العناية بتدرج أحواله إلى أن بلغ الموضع الذي كلّمه الله منه.
وليس المراد القَدر العام الذي قدّره الله لتكوين جميع الكائنات، فإن ذلك لا يُشعر بمزية لموسى عليه السلام.
وقد انتبَه إلى هذا المعنى جرير بذوقه السليم فقال في مدح عمر بن عبد العزيز:
أتى الخلافة إذْ كانت له قَدراً ...
كما أتَى ربّه موسى على قَدَر
ومن هنا ختم الامتنان بما هو الفذلكة، وذلك جملة {واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} الذي هو بمنزلة ردّ العجز على الصدر على قوله {ولتصنع على عيني إذ تمشي أختك الآية، وهو تخلص بديع إلى الغرض المقصود وهو الخطاب بأعمال الرسالة المبتدأ من قوله: وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى} [طه: 13] ومن قوله: {اذهب إلى فرعون إنّه طغى} [طه: 24] .
والاصطناع: صنع الشيء باعتناء.
واللام للأجْل، أي لأجْل نفسي.
والكلام تمثيل لِهيئة الاصطفاء لتبليغ الشريعة بهيئة من يصطنع شيئاً لفائدة نفسه فيصرف فيه غاية إتقان صنعه. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 16 صـ}