وَثَانِيهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا أَطْلَعَهُ عَلَى تِلْكَ الْأَنْوَارِ الْمُتَصَاعِدَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ إِلَى السَّمَاءِ وَأَسْمَعَهُ تَسْبِيحَ الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ أَسْمَعَهُ كَلَامَ نَفْسِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ مَزَجَ اللُّطْفَ بِالْقَهْرِ فَلَاطَفَهُ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) ثُمَّ قَهَرَهُ بِإِيرَادِ التَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ عَلَيْهِ وَإِلْزَامِهِ عِلْمَ الْمَبْدَأِ وَالْوَسَطِ وَالْمَعَادِ ثُمَّ خَتَمَ كُلَّ ذَلِكَ بِالتَّهْدِيدِ الْعَظِيمِ، تَحَيَّرَ مُوسَى وَدَهِشَ وَكَادَ لَا يَعْرِفُ الْيَمِينَ مِنَ الشِّمَالِ فقيل له: (وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى) لِيَعْرِفَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ يَمِينَهُ هِيَ الَّتِي فِيهَا الْعَصَا، أَوْ لِأَنَّهُ لَمَّا تَكَلَّمَ مَعَهُ أَوَّلًا بِكَلَامِ الْإِلَهِيَّةِ وَتَحَيَّرَ مُوسَى مِنَ الدَّهْشَةِ تَكَلَّمَ مَعَهُ بِكَلَامِ الْبَشَرِ إِزَالَةً لِتِلْكَ الدَّهْشَةِ وَالْحَيْرَةِ، وَالنُّكْتَةُ فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا غَلَبَتِ الدَّهْشَةُ عَلَى مُوسَى فِي الْحَضْرَةِ أَرَادَ رَبُّ الْعِزَّةِ إِزَالَتَهَا فَسَأَلَهُ عَنِ الْعَصَا وَهُوَ لَا يَقَعُ الْغَلَطُ فِيهِ.
كَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ إِذَا مَاتَ وَوَصَلَ إِلَى حَضْرَةِ ذِي الْجَلَالِ فَالدَّهْشَةُ تَغْلِبُهُ وَالْحَيَاءُ يَمْنَعُهُ عَنِ الْكَلَامِ فَيَسْأَلُونَهُ عَنِ الْأَمْرِ الَّذِي لَمْ يَغْلَطْ فِيهِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ التَّوْحِيدُ، فَإِذَا ذَكَرَهُ زَالَتِ الدَّهْشَةُ وَالْوَحْشَةُ عَنْهُ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا عَرَّفَ مُوسَى كَمَالَ الْإِلَهِيَّةِ أَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَهُ نُقْصَانَ الْبَشَرِيَّةِ، فَسَأَلَهُ عَنْ مَنَافِعِ الْعَصَا فَذَكَرَ بَعْضَهَا فَعَرَّفَهُ اللَّه تَعَالَى أَنَّ فِيهَا مَنَافِعَ أَعْظَمَ مِمَّا ذَكَرَ، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْعُقُولَ قَاصِرَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ صِفَاتِ النَّبِيِّ الْحَاضِرِ فَلَوْلَا التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ كَيْفَ يُمْكِنُهُمُ الْوُصُولُ إِلَى مَعْرِفَةِ أَجَلِّ الْأَشْيَاءِ وَأَعْظَمِهَا.
وَرَابِعُهَا: فَائِدَةُ هَذَا السُّؤَالِ أَنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهُ أَنَّهُ خَشَبَةٌ حَتَّى إِذَا قَلَبَهَا ثُعْبَانًا لَا يَخَافُهَا.