وكان الأفشين يقول: «إذا ظفرت بالعرب شدخت رؤوس عظمائهم بالدبوس» والدبوس شبيه بهذه العصا التي في رأسها عجرة وقال جحشويه:
يا رجلا هام بلباد ... معتدل كالغصن مياد
هام به غسان لما رأى ... أيرا له مثل عصا الحادي
ولم يزل يهوى أبو مالك ... كل فتى كالغصن منآد
يعجبه كل متين القوى ... للطعن في الأدبار معتاد
وقالوا في تغميض الناقة عينها، كي تركب العصا إلى الحوض، وهو في معنى قول أبي النجم:
تغشى العصا والزجر أن قيل حل ... يرسلها التغميض إن لم ترسل
وهذا مثل قول الهذلي:
ولأنت أشجع من أسامة إذ ... شدّوا المناطق تحتها الحلق
حدّ السيوف على عواتقهم ... وعلى الأكف ودونها الدّرق
كغماغم الثيران بينهم ... ضرب تغمض دونه الحدق
وقال حميد بن ثور الهلالي:
اليوم تنتزع العصا من ربها ... ويلوك ثني لسانه المنطيق
ويقال: رجل كالقناة، وفرس كالقناة. وقال الشاعر:
متى ما يجيء يوما إلى المال وارثي ... يجد جمع كف غير ملأى ولا صفر
يجد فرسا مثل القناة وصارما ... حساما إذا ما هزّ لم يرض بالهبر
وجاء في الحديث: أجدبت الأرض على عهد عمر رحمه الله حتى ألقت الرعاء العصيّ، وعطّلت النعم، وكسر العظم. فقال كعب: يا أمير المؤمنين، إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابتهم السنة استسقوا بعصبة الأنبياء.
فكان ذلك سبب استسقائه بالعباس بن عبد المطلب.
وساورت حية أعرابيا فضربها بعصاه وسلم منها، فقال:
لولا الهراوة والكفان أنهلني ... حوض المنية قتّال لمن علقا
أصمّ منهرت الشدقين ملتبد ... لم يغذ إلا المنايا مذ لدن خلقا
كأن عينيه مسماران من ذهب ... جلاهما مدوس الألان فائتلقا
وقال الحجاج بن يوسف لأنس بن مالك: «والله لأقلعنك قلع الصّمغة، ولأعصبنك عصب السّلمة، ولأضربنك ضرب غرائب الإبل ولأجردنك تجريد الضب» .
وقال عمر بن الخطاب رحمه الله لأبي مريم الحنفي: «والله لا أحبك حتى تحبّ الأرض الدم المسفوح» . لأن الأرض لا تقبل الدم، فإذا جف الدم تقلّع جلبا.
ولقد أسرف المتلمّس حيث يقول:
أحارث أنا لو تساط دماؤنا ... تزايلن حتى لا يمس دم دما