وعبارات السلف تدور على هذا المعنى قال ابن عباس:"تغريهم إغراء"
وفي رواية أخرى عنه"تسلهم سلا"
وفي رواية أخرى"تحرضهم تحريضا"
وفي أخرى"تزعجهم للمعاصي إزعاجا"وفي أخرى"توقدهم إيقادا"
أي كما يتحرك الماء بالوقد تحته قال أبو عبيدة:"الأزيز الإلهاب"والحركة كالتهاب النار في الحطب يقال إز قدرك أي ألهب تحتها النار وائتزت القدر إذا اشتد غليانها وهذا اختيار الأخفش والتحقيق أن اللفظة تجمع المعنيين جميعا قالت القدرية"معنى أرسلنا الشياطين على الكافرين خلينا بينهم وبينها ليس معناه التسليط"قال أبو علي"الإرسال يستعمل بمعنى التخلية بين المرسل وما يريد"
فمعنى الآية خلينا بين الشياطين وبين الكافرين ولم يمنعهم منهم ولم يعدهم بخلاف المؤمنين الذين قيل فيهم (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان
قال الواحدي"وإلى هذا الوجه يذهب القدرية في معنى الآية."
قال وليس المعنى على ما ذهبوا إليه""
وقال أبو إسحاق"والمختار أنهم أرسلوا عليهم وقيضوا لهم بكفرهم كما قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} وقال: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} وإنما معنى الإرسال التسليط"قلت وهذا هو المفهوم من معنى الإرسال كما في الحديث:"إذا أرسلت كلبك المعلم أي سلطته ولو خلى بينه وبين الصيد من غير إرسال منه لم يبح صيده"وكذلك قوله: {وفي وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} أي سلطناها وسخرناها عليهم وكذلك قوله: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ} وكذلك قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً} والتخلية بين المرسل وبين ما أرسل عليه من لوازم هذا المعنى ولا يتم التسليط إلا به فإذا أرسل الشيء الذي من طبعه وشأنه أن تفعل فعلا ولم تمنعه من فعله فهذا هو التسليط، ثم إن القدرية تناقضوا في هذا القول فإنهم إن جوزوا منعهم منهم وعصمتهم وإعادتهم فقد نقضوا أصلهم فإن منع المختار من فعله الاختياري مع سلامة النية وصحة بنيته تدل على أن فعله وتركه مقدور للرب وهذا عين قول أهل السنة وإن قالوا لا يقدر على منعهم وعصمهم منهم وإعادتهم فقد جعلوا قدرتهم ومشيئتهم بفعل ما لا يقدر الرب على المنع منه وهذا أبطل الباطل.
ثم قالت القدرية {تؤزهم أزا} تأمرهم بالمعاصي أمرا، وحكوا ذلك عن الضحاك.